يومية

يناير 2012
الإثنينالثلاثاءالأربعاءالخميسالجمعةالسبتالأحد
 << < > >>
      1
2345678
9101112131415
16171819202122
23242526272829
3031     

إعلان

المتصلون الآن؟

عضو: 0
زائر: 1

rss رخصة النشر (Syndication)

صندوق الحفظ

 

الاعجاز العلمي في القران والسنة

26 نوفمبر 2007 

بين صرختين ..... موت الغرب

تذكرت لوحة الصرخة الشهيرة للرسام النرويجي "إدوارد مونش" وأنا أقرأ عرضاً لكتاب، لأنه يمثل هو الآخر صرخة جاءت هذه المرة من الشاطئ الآخر للأطلسي أو من الإمبراطورية التي تتزعم قيادة الغرب وقيمه.


صدر كتاب بعنوان "موت الغرب  "لباتريك بوكانان قبل عام ويمثل اسم الكتاب طُعماً شهياً لاصطياد القراء، ولو عرف القراء العرب من هو مؤلف الكتاب لازدادت رغبتهم في الاطلاع عليه، فالكاتب هو مرشح سابق لرئاسة الولايات المتحدة في سنتي 1992 و 1996، وخصم لدود للمحافظين الجدد وصقور البيت الأبيض.



والكتاب كبير فهو يقع في 308 صفحات من الحجم المتوسط، ويتحدث عن إرهاصات كثيرة تنذر بفناء الغرب منها اندثار مفهوم العائلة كصمام أمان للمجتمع، وعزوف الأجيال الجديدة عن الزواج، وشيوع الانحلال والإباحية، يقابل ذلك صعود نجم العالم الإسلامي بتمسك أجياله الجديدة بدينهم وحملهم رسالته رغم لوثات التأثر السطحي بالغرب، ورصد الكاتب أيضا الغزو السلمي للعالم الإسلامي للغرب والمتمثل في موجات المهاجرين المتمسكين بخصوصيتهم الدينية والثقافية والرافضين لمحاولات الإدماج والتذويب.



ورغم اعتبار باتريك أن أكبر خطرين يتهددان الغرب هما: انخفاض معدلات المواليد وموجات الهجرة القادمة من العالم الثالث خصوصاً العرب والمسلمين، فإني سأعرض للنقطة الأولى التي يعتبرها الكاتب ثمرة مرّة لعبادة الغرب لآلهة جديدة هي "الإباحية"، هذه العبودية التي ستكلف الغرب حياته. إنها الإلهة التي تأمرهم بإزالة أي معوق أمام تحقيق المتعة وإشباع الرغبات، إذاً فلا مانع من تحطيم مؤسسة الزواج كحاضن صحي للأطفال، ولا جُرم في ممارسة الإجهاض للتخلص مما يعيق سُعار الشهوات.



وللحصول على اللذة القصوى فإن الجمهور العريض من جيل الشباب الغربي لا يقبل بأي سقف ولو كان السماء ولا يمانع في تتبع لذاته البدائية من الانحدار إلى أسفل سافلين ومن طلب اللذة في المثلية وفي مطارحتها مع البهائم.



يقول بوكانان: إن شيوع العلاقات الجنسية ـ خارج مؤسسة الزواج ـ وشيوع المثلية الجنسية ساهمت في انتشار كثير من الأمراض التناسلية والاجتماعية وظهور الحاجة الملحة لمستشفيات وعيادات اختصاصية مكلفة تتفرغ لعلاج هذه الأمراض وكذلك ظهرت فكرة الإجهاض وحبوب منع الحمل التي أصبحت في متناول الطلبة والطالبات في سن المراهقة. ولا بأس إذا وقع المحظور (الحمل) فإن أقرب عيادة للإجهاض في الحي من الممكن أن تحل الإشكال، لقد أجري في الولايات المتحدة منذ 1965 حتى الآن أربعين مليون عملية إجهاض منذ أن حكمت المحكمة بأن الإجهاض (حق دستوري للمرأة). ولم ينس الكاتب أن يشير إلى الدور الأصلي الذي يلعبه الإعلام الغربي وفنونه في إحداث موجات الإباحية العاتية التي أطاحت في المحصلة النهائية بمؤسسة العائلة.



وينتقل الكاتب لإطار نظري آخر لا يقل خطورة عن الأول ويتمثل في الحركة النسائية الأمريكية المتطرفة فهو يراها من العوامل التي أدت إلى إضعاف وبلبلة المجتمع  لأنها نظرّت لدور جديد للمرأة يخالف فطرتها السوّية فقد عملت على تهميش رسالة المرأة الأصلية داخل البيت ومن خلال مؤسسة الزواج والإنجاب. وإبراز وتزيين دورها الواعد خارج العائلة في مجالات عالم الأعمال والصناعة والبحث العلمي، والعمل السياسي والنقابي. مما أثّر بلا شك تأثيراً بالغاً على الوضع العائلي التقليدي في الولايات المتحدة وأدى لضمور العائلة كمؤسسة اجتماعية تتكامل في حضانتها تربية الجيل تربية سوية ناضجة، فانتشرت بسبب ذلك الجريمة والانحراف وغير ذلك في المجتمع.



يستعرض بوكانان بعض أدبيات الحركة النسائية الأمريكية ويشير إلى ما كتبته "غلوريا شتاينم" وكتابتها تنم عن تطرف بالغ إذ تقول: "إن فكرة الزواج لا تختلف عن فكرة البغاء والفرق فقط هو أن المرأة تتحول في حال زواجها برجل إلى بغي له طوال فترة زواجها منه". ويعزز ما ذهب إليه بدعوة "شيلا كرونن" إلى الشيوعية الجنسية بقولها: "إن حرية المرأة لا يمكن أن تتحقق في شكل كامل وصحيح إلا إذا ألغينا تماما فكرة الزواج ومنحنا المرأة والرجل حق الشيوعية الجنسية". وثالثة الأثافي هي "فاليري سولانيس" التي أسست جمعية "الاستغناء عن الرجل"، كتطبيق لنظريتها القائلة بأن الرجل خطأ بيولوجي يجب على المرأة أن تصححه. وزعمت أن المرأة تستطيع من الناحية (الفنية) الاستغناء عن الرجل في الإشباع الجنسي وحتى في إنجاب الأطفال أقصد البنات إذ لا داعي لتكرار الخطأ البيولوجي بإنجاب الذكور!!!



يتحدث بوكانان بتوسع عن الانحرافات الشاذة التي باتت في عُرف المجتمع الأمريكي أمراً طبيعيا فيقول: إن المثلية الجنسية والسحاقية بين النساء والزنا باتت أموراً مألوفة وعادية وجزءا من الحياة اليومية الأمريكية. وصـارت لهذه الفئات الشاذة مقرات وجمعيات ونشرات وكراسات تدعو الجمهور الأمريكي للتطبع بهذه السلوكيات وقبولها دون تحفظ تحت مظلة حرية الرأي والتعبير. وصارت هذه الفئات كالأحزاب تطبع كتبا ومجلات وأشرطة وبطاقات عضويـة.



ووصل تأثير هذه الجمعيات إلى الإدارة الأمريكية فقد عيّن البيت الأبيض ملحقاً وجهازاً وظيفياً خاصاً لاسترضاء هذه الفئات التي تتنامى ويعظم تأثيرها ويتجهم الرأي العام والإعلام لمن يعترض عليها ويرى فيها انحرافاً وشذوذاً.



 ويشير الكاتب للزخم الذي وجدته هذه الجمعيات بمجيء كلينتون وهيلاري السيدة الأولى – سابقاً - إلى البيت الأبيض إذ كانا حريصين على مشاركة هذه الفئات في مسيراتها ومظاهراتها واحتفالاتها. وصار من حق هذه الفئات الانضمام للجيش والعمل في سلك القضاء وأصبح بعضهم سفراء للولايات المتحدة.



يقول بوكانان: إن الإباحية المتفشية في المجتمع فجرت المطبوعات والأفلام التي لا تكتفي بمخاطبة الغريزة بل تهبط بها إلى أسفل سافلين. وساهم انتشار صورة المرأة المتعرية إلى هبوط احترام المرأة ككيان إنساني  وبالتالي تآكل احترام المرأة لقيمتها وذاتها وصار هؤلاء الرجال الذين يكثرون الحديث عن حقوق المرأة الاجتماعية والسياسية هم أكثر من يعبث بالنساء وفي النهاية يلقون بهن على قارعة الطريق.



لكن العجيب حقاً أن الكاتب يقترح ضمن وصفته للعلاج مراجعة النظام التعليمي في الولايات المتحدة على ضوء تفوق الثقافة الأمريكية ودونية الثقافات العالمية الأخرى!! ولا أدري ما علاقة هذه النتيجة بمقدمات الكتاب ومعطياته السابقة. فبعد اعتراف "بوكانان" بانهيار النظام القيمي الأمريكي يفاجئنا بعنصرية في تفكيره. ولا أدري كيف يكون العلاج في العلة ذاتها؟! فالغطرسة الأمريكية هي التي أفرزت كل تلك الأعشاب الشيطانية التي لا يصلح لها إلا الاجتثاث.


















لوحة الصرخة  للرسام مون





ومع تلك الكبوة الكبيرة للكاتب التي تجعل القارئ يشعر بعدم الاتساق في كتابه مما يذكرني إلى حدٍ ما بوقوفك أمام عملاق لكنه لا يستطيع النهوض لأن قدماه مشلولتان لا تقويان على حمله. أو أنه وعي سرعان ما تلاشى كضوء أحدثه إشعال عود ثقاب أطفأته رياح الهوى والتعصب. إلا أنني سأوقف الصورة عند تلك الصرخة وأسجلها هنا كشهادة من عمق رصيد الفطرة التي فطر الله الناس عليها أدلى بها سياسي غربي كاد أن يصل لقمة الهرم.



وأعود مجدداً لصرخة "مونش" في لوحته لأجد وجهين للشبه بين الصرختين فصرخة "مونش" رمز لقلق الإنسان الغربي من القادم اتخذ صورة هلع تركّز في وجه فرد – فرد فقط -، صرخة من طامة وطوفان أحمر كبير آتٍ من السماء، وصرخة "باتريك بوكانان" واضحة من عنوان كتابه الذي ينذر فيه الغرب بموت يتشح باللون الأحمر كونه يتعلق بالارتكاس الفطري من جهة وبالانحلال الأخلاقي من جهة أخرى.



ووجه الشبه الثاني بين الصرختين أن صاحب الصرخة في لوحة "مونش" - والذي يغلب على الظن أنه هو الرسام نفسه - يصرخ وحيداً محذراً ومن خلفه أشخاص يتابعون حياتهم دون أن يعبأوا الطوفان الأحمر الوشيك والمطبق عليهم من السماء، ودون أن يسمعوا صرخته. وباتريك في كتابه يصرخ وسط سكارى يرقصون في صخب فتضيع صرخاته وتندثر أصداؤها.


Admin · شوهد 36 مرة · وضع تعليق
25 نوفمبر 2007 

يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب

ورد في تفسير ابن كثير والقرطبي أن المراد بالسجل هو الكتاب, وقيل المراد به هو ملك من الملائكة وقيل كذلك إن المراد به هو اسم رجل صحابي كان يكتب للنبي (صلى الله عليه وسلم) الوحي, وقيل أيضاً هو الرجل, حيث لا يعرف رجل اسمه السجل, وإن كتاب الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم) معروفون. وقيل أيضاً أن السجل هو العدل , وهو اسم مشتق من السجالة وهي الكتابة. أما الطي فهو الدرج بفتح الدال الذي هو ضد النشر. قال تعالى (( والسموات مطويات بيمينه)). روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة (رضي الله عنه) أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) قال يقبض الله الأرض ومن عليها يوم القيامة, ويطوي السماء بيمينه ثم يقول أنا الملك, أين ملوك الأرض. وهذا تعبير عن قدرته جل وتعالى وإحاطته بجميع مخلوقاته. قيل أيضاً قد يكون القبض والطي إفناء الشيء وإذهابه. يقول الله سبحانه وتعالى: والأرض جميعاً قبضته. يحتمل أن يكون المراد به والأرض جميعاً ذاهبة فانية يوم القيامة. الدراسات السابقة أجريت مسحاً موسعاً عن بحوث الإعجاز العلمي للقرآن والسنة النبوية مفتشاً عن معنى كطي السجل للكتب وفي الحقيقة لم أجد بحثاً يتناول هذه الآية ويفسرها تفسيراً علميا,ً سوى أني عثرت على ذات العنوان الذي كنت أبحث فيه وأفتش عن معانيه العلمية, إذ تناول الأخ الكريم المهندس عبد الدائم كحيل الموضوع يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب حيث فسر الباحث جزاه الله خيراً معنى وكيفية الطي بالمنظور العلمي أي أنه وجد إعجازاً علمياً في الشطر أو الجزء الأول من الآية وتحديداً فيما يتعلق بالطي. أما بحثي هذا فيأتي بإظهار الإعجاز المكمل للآية في شطرها أو جزئها الثاني وتحديداً فيما يتعلق بمعنى الكتب ( كطي السجل للكتب). يمثل هذا الشكل احتمالات شكل الكون كما يراه العلماء اليوم، فإما أن يكون بشكل كرة وإما أن يكون منحنياً ، أو مسطحاً هناك ثلاث نظريات حسب قيمة العامل أوميغا المكتوب على يسار الشكل وهو كثافة الكون الحرجة أكبر من الواحد يعني كرة أصغر من الواحد يعني منحني أو مساوياً للواحد فهذا يعني أنه مسطح وفي الحالات الثلاث نلاحظ أن الكون يأخذ شكلاً منحنياً سواء كان مسطحاً أو بشكل كرة أو بشكل ورقة منحنية فجميع الأشكال يمكن أن تطوى كما تطوى الورقة وهذا ما عبر عنه القرآن بقوله تعالى: (يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ) [الأنبياء: 104]. معنى الكتب التي وردت في الآية الكريمة الكتب هي جمع كتاب والكتاب هو الوسيلة لتي يكتب عليها أو فيها معلومات لغرض حفظها ومراجعتها في أي وقت. بما أن السموات تضم الكواكب والنجوم بما فيها الأرض إذاً هذه الكواكب والنجوم ما هي إلا كتب, وكما عبرت الآية ( يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب)( الأنبياء-104). لفهم هذا لموضوع علينا إثبات أن الأرض ما هي إلا كتاب ضخم يضم بين جنباته معلومات غزيرة وحقائق هائلة جداً يعجز أي كتاب من كتبنا أن يضاهيه.كما أن ما يميز هذا الكتاب ( الأرض) أن جميع المعلومات التي فيه هي صحيحة 100% لأنها دونت بإرادة الله تعالى. أي ما على الإنسان إلا فك رموز وشفرات هذا الكتاب للوصول إلى الحقائق العلمية, وهذا في الحقيقة هو ما يحصل. على سبيل المثال أن وجود حفرة كبيرة على سطح الأرض أو ربما تكون مدفونة هي معلومة مسجلة في صخور الأرض يمكننا قراءتها بعد فك رموزها, فقد تكون هذه الحفرة هي أثر سقوط نيزك ضرب الأرض, من هنا يقوم علماء الجيولوجيا والفلك بدراسة هذه الحفرة وفق الأسس العلمية ومن ثم يتحقق الباحثون من أن أصل تلك الحفرة هو اصطدام نيزك أم عدمه. فإذا كان الأمر كذلك, فان الجيولوجيون يستطيعون معرفة مصدر وأصل هذا النيزك هل هو من قشرة كوكب متفجر أم من جبتة أم من لب ذلك الكوكب المتفجر, ومن ثم يمكن قياس عمره المطلق ( بملايين السنسن) بالطرق الإشعاعية بالاعتماد على النظائر, وأما النظائر فما هي إلا معلومات محفوظة في جسم النيزك يمكن حلها بالأجهزة الحديثة, مما يدل على أن النيزك هو جزء من كتاب لأنه يحمل لنا معلومات جاءتنا من ذلك الكوكب المتفجر أي أن الكوكب ذاته كتاب عظيم. من خلال هذا المثال البسيط يتبن أن الأرض والنجوم والكواكب ما هي إلا كتب تزودنا بمعلومات صحيحة وحقيقية إذا أتقنا قرائتها (حل رموزها وفك شيفراتها). الأرض والكواكب والنجوم كتب عظيمة سجلت الأرض أحداث الزمن الماضي منذ بداية تكونها قبل أكثر من 4.5 بليون سنة ولحد الان, وما زالت تدون لنا المعلومات في صخورها ومستحاثاتها وأغلفتها وطبقاتها ومظاهرها وتضاريسها, وستبقى كذلك إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. إن أنواع المستحاثات الحيوانية المحفوظة في صخور الأرض تدلنا على عمر الطبقات الأرضية الحاضنة لهذه المستحاثات, وتدلنا على طبيعة البيئة السائدة في ذلك الزمن وعمق المياه ودرجة حرارتها ومقدار ملوحتها ومقدار الابتعاد أو الاقتراب عن خط الساحل. أليست هذه معلومات قيمة جداً محفوظة ضمن صخور الأرض تدلنا على كل هذه المعلومات قبل ملاين السنين. كما أن وجود المستحاثات النباتية والابواغ والسبورات المتحجرة يدون لنا قصة طويلة عن سجلت الأرض أحداث الزمن الماضي منذ بداية تكونها قبل أكثر من 4.5 بليون سنة الظروف المناخية والأحوال البيئية السائدة في ذلك الزمن ( الزمن الذي عاشت فيه هذه الأحياء قبل موتها وتحجرها) قبل ملايين السنين.وقبل خلق الإنسان. لو لم تحفظ لنا الأرض هذه المستحاثات من أين لنا مثل هذه المعلومات. أليس الأرض كتاب كبير, وإن الذي يديره هو الله. إن الترسبات المعدنية المدفونة تحت سطح الأرض تسجل لنا قصة تكونها كاملة في معادنها وفي الصخور الحاضنة لها وما علينا إلا فك رموز هذه القصص. فمثلاً وجود بعض أنواع البوكسايت وهو خام الألمنيوم ووجود بعض أنواع الحديد الرسوبي يدل على مناخ مطير طيلة أيام السنة تقريباً مما أدى إلى ذوبان العناصر الفلزية والقلوية من الصخور والتربة, ونقلها بهيئة ايونات مع المياه وبقاء عنصري الألمنيوم والحديد بسبب صعوبة ذوبانهما, وباستمرار العملية يتركز الألمنيوم والحديد مكوناً ترسبات اقتصادية مدفونه تحت السطح. إن وجود الصخور النارية والمخاريط البركانية في مواقع هادئة الآن يدل على إنها كانت في الزمن الماضي مواقع نشطة بركانياً وتكثر فيه الهزات الأرضية. وإذا سأل سائل ومتى كانت هذه المواقع الخامدة الآن نشطة بركانياً وزلزالياً, فنقول له أنظرنا نسأل الأرض ونقرأ سطور الصخور لنجد الجواب, وما علينا إلا أن نجمع العينات من الصخور النارية ونحللها لقياس عمرها. أليست الارض كتاب يحكي قصة الماضي بكل تفاصيلها. كما أن المظاهر التركيبية لسطح الأرض كالسلاسل الجبلية البنائية كجبال الألب وجبال الهملايا وزاكروس وطوروس كلها معلومات تدون قصة تكونها, فهي تقص لنا قصة حركة الصفائح الأرضية وكيفية تحركها واتجاهات الحركة وشدتها ومقدارها. فجبال الألب تمثل تصادم القارة الأفريقية مع القارة الأوربية, وجبال الهملايا تمثل تصادم القارة الهندية مع القارة الأسيوية, فيما تمثل سلسلة جبال زاكروس بين العراق وإيران حالة تصادم الصفيحة العربية مع الصفيحة الإيرانية, وتقص لنا جبال طوروس قصة تصادم الصفيحة العربية مع الصفيحة التركية. إن عمليات تسجير البحار وتكون السلاسل الجبلية وسط المحيطات حالياً تحمل معلومات عن كيفية نشوئها وتكونها, وما هي إلا مفتاح لحل الغاز الماضي لمثل هذه الظواهر, خصوصا ,أن علماء الجيولوجيا الغربيين وضعوا مبادئ جيولوجية كثيرة , أحدها هو (The Present is a Key of The Past) ويقصد به الحاضر مفتاح الماضي. أي أن العمليات الجيولوجية التي تحدث الآن يمكن الاستعانة بها لفك رموز الماضي. وما المغناطيسية القديمة الا دليلاً على أن الأرض كتاب كبير يدون أحداث الماضي إلى الأبد. فما هي المغناطيسية القديمة. صورة لأحد البراكين الناشطة عندما تنبثق الحمم من البراكين تسيل المادة الصخرية على سطح الأرض. إن المادة الصخرية المنصهرة ما هي إلا مركبات كيميائية معقدة مكونة من عناصر الجدول الدوري المعروفة. فبعض الصخور التي تحوي على الحديد في معادنها وقبل أن تتصلب تتأثر بالمجال المغناطيسي الأرضي وترتب أقطابها المغناطيسية تبعاً لذلك, أي أن القطب الشمالي في الصخرة يتجة نحو القطب المغناطيسي الجنوبي للأرض والعكس بالعكس لأن الأقطاب المختلفة تتجاذب والمتشابهة تتنافر. ثم بعد ذلك تبرد الصخور وتتصلب. وإذا حدث وأن تحركت الصفيحة الأرضية التي تحمل هذه الصخور فإن اتجاهاتها المغناطيسية سوف تتغير بسبب حركة الصفيحة الأرضية. وعند جمع العينات من هذه الصخور ودراسة المغناطيسية القديمة فيها وتحديد أقطابها الشمالية والجنوبية يتسنى لنا متابعة قصة حركة الصفيحة الأرضية واتجاهات الحركة وزاويتها. من هنا يتبين أن مثل هذه الصخور سوت نفسها بوصلة صغيرة دونت لنا اتجاهاتها المعناطيسية وقت تصلبها, لذ ا فأن أي حركة لهذه الصخور يمكن رصدها وحسابها. إلا يدل ذلك على أن الأرض كتاب عظيم يحوي معلومات حقيقية في غاية الدقة والإتقان بل أن هذا الكتاب يروي لنا قصص متكاملة أذا أحسنا فك رموز القصة.إن وجود هياكل اسماك عظمية وحيتان متحجرة على قمم الجبال الحالية هي معلومة دونتها لنا صخور الأرض في كتاب الأرض لتقول لنا ببساطة إعلمو أن هذه القمم الشاهقة التي ترونها الآن كانت في الزمن الغابر قيعان بحر ومحيطات, وإذا أردتم أن تعرفوا متى كان هذا, ما عليكم إلا أن تحددوا أعمار هذه المتحجرات بالطرق المعروفة لدينا الآن. مما ذكر في أعلاه يتبين لنا أن الأرض بأغلفتها وصخورها وطبقاتها وبحارها ومحيطاتها وجبالها ما هي ألا كتاب دونت لنا أحداث وقصص الزمن الماضي بكل تفاصيله. إن ما ينطبق على ألأرض ينطبق على الكواكب والنجوم في هذا الكون الواسع. (يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ) [الأنبياء: 104]. ولدي من الأمثلة ما يوصلنا إلى حد الملل. ولكن خير الكلام ما قل ودل, ,استغفر الله لي ولكم, أملاً أن يكون بحثي هذا خالصاً لوجه الله تعالى.
Admin · شوهد 33 مرة · وضع تعليق
24 نوفمبر 2007 

البصمة بين الاعجاز والتحدي .. القسم الثاني


(2) بصمة الجينات :



وبينما لا تزال البشرية في حالة من الدهشة والانبهار مما آلت إليه نتائج تقنية تطويع الجينات.. فاجأنا العالم الإنجليزي "إليك جيفرس" باكتشافه بعض طلاسم الجينات ليعرفنا من أنا ومن أنت ومن هم الآخرون؟! وذلك بما نحمله من جينات، أو بمعنى أدق بصمة الجينات. فما هي بصمة الجينات؟ وما هي القضايا التي تستطيع حسمها، وعجزت الوسائل التقليدية للطب الشرعي أن تجد لها حلاً؟






الأساس الجزيئي :



الجينات التي تنقل الرسالة الوراثية من جيل لآخر، وتوجه نشاط كل خلية، هي عبارة عن جزيئات عملاقة تكوّن ما يشبه الخيوط الرفيعة المجدولة تسمى الحمض النووي الريبوزي المختزل DNA, وتحتوي هذه الرسالة الوراثية على كل الصفات الوراثية، بداية من لون العينين حتى أدق التركيبات الموجودة بالجسم. وتترتب الجينات في خلايا الإنسان على 23 زوجًا من الكروموسومات في نواة الخلية، والكورموسومات مركبة من الحمض النووي وبروتينات، وهذه البروتينات تلعب دورًا مهمًا في المحافظة على هيكل المادة الوراثية، وتنظم نشاط تعبير الجينات الذي يؤدي إلى تكشف وتكوين الفرد الكامل من خلية الزيجوت. وتوجد بعض الجينات في "الميتوكوندريا"، وتورث عن  طريق الأم. وتكمن المعلومات الوراثية لأي خلية من تتابع الشفرة الوراثي (تتابع القواعد النيتروجينية الأربعة التي وهبها الله للحياة، وهي الأدينين (A) والجوانين (G) والسيتوزين (C) والثيامين (T)) التي تكون المادة الوراثية في صورة كلمات وجمل تقوم بتخزين المعلومات الوراثية في لوح محفوظ مسئول عن حياة الفرد.



حديثًا تمكن "إليك جيفرس" في جامعة لستر بالمملكة المتحدة من  اكتشاف اختلافات في تتابع الشفرة الوراثية في منطقة "الأنترون Intron" متمثلة في الطول والموقع. وقد وجد أن هذه الاختلافات ينفرد بها كل شخص تمامًا مثل بصمة الإصبع، لذلك أطلق عليها بصمة الجينات، باستثناء نوع نادر من التوائم المتطابقة الناشئة عن انقسام بويضة مخصبة واحدة MZT. وبحساب نسبة التمييز بين الأشخاص باستخدام بصمة الجينات.. وجد أن هذه النسبة تصل إلى حوالي 1: 300 مليون؛ أي أن من بين 300 مليون شخص يوجد شخص واحد فقط يحمل نفس بصمة الجينات. وقد وجد أيضًا أن بصمة الجينات تورث طبقًا لقوانين مندل الوراثية. 






المقصود ببصمة الجينات:



بصمة الجينات هي اختلافات في التركيب الوراثي لمنطقة "الإنترون"، وينفرد بها كل شخص تمامًا وتورث، أي أن الطفل يحصل على نصف هذه الاختلافات من الأم، وعلى النصف الآخر من الأب، ليكون مزيجًا وراثيًا جديدًا يجمع بين خصائص الوالدين، وخصائص مستودع وراثي متسع من قدامى الأسلاف. وقد وجد أيضًا أن بصمة الجينات تختلف باختلاف الأنماط الجغرافية للجينات في شعوب العالم. فعلى سبيل المثال.. يختلف الآسيويون (الجنس الأصفر أو المغولي) عن الأفارقة.



تعيين بصمة الجينات :



        كل ما هو مطلوب لتعيين بصمة الجينات هو عينة صغيرة من الأنسجة التي يمكن استخلاص الحمض النووي الريبوزي المختزل DNA منها. فعلى سبيل المثال نحتاج :



•       عينة من الدم في حالة إثبات بنوة.



•       عينة من الحيوان المنوي في حالة اغتصاب



•       قطعة جلد من تحت الأظافر أو شعيرات من الجسم بجذورها في حالة وفاة بعد مقاومة المعتدي.



•       دم أو سائل منوي مجمد أو جاف موجود على مسرح الجريمة.



•       عينة من اللعاب.



وحديثًا تمكن العالمان الأستراليان "رولند فان" و"ماكسويل جونز" في عام 1997 من عزل المادة الوراثية من الأشياء التي تم لمسها مثل المفاتيح والتليفون والأكواب بعد استخلاص المادة الوراثية، حيث يتم تقطيعها باستخدام إنزيمات التحديد Restrection enzymes, ثم تفصل باستخدام جهاز الفصل الكهربائي Electrophoresis ثم تنقل إلى غشاء نايلون، ثم باستخدام مسابر خاصة Probes يتم تعين بصمة الجينات على فيلم أشعة.






الصراع بين العلم والجريمة : (2)



تحت هذا العنوان كتب أ.د السيد سلامة السقا في أحد أعداد مجلة "منار الإسلام" الظبيانية يقول: ويستمر الصراع بين العلم والجريمة وينطلق العلماء بأجهزتهم إلى أعماق الإنسان فى محاولات للاستزادة مما فيه من أسرار ومجهولات لا تنتهي، فتكتشف بصمات الصوت المميزة لكل شخص عن غيره ... ويستمر الصراع ... وتأتى المفاجأة من داخل الخلية من عالم الصبغيات (الكروموسومات) من الحمض النووي القابع في غرفة العمليات المحكمة داخل نواة الخلية، تأتى المفاجأة من ترتيب مناطق الجينات داخل الحمض النووي، تلك الجينات القادمة من الأب ومن الأم معاً لتشترك فى بناء نووي جديد ذي تركيب مختلف عن أحماض الأب والأم فى ظاهره ولكن تتابع ترتيب جيناته يدل ويشير إلى أصلها من الأب ومن الأم معاً ... بل يؤكد انتماءها إلى أب بعينه وإلى أم بعينها دون غيرها من البشر ... فكان ذلك ما عرف باسم (البصمة الجينية) الذي اعتبره العلماء قفزة علمية كبيرة لما لها من أهمية فى عالم الطب الشرعي وعالم الحياة بشكل عام ...






تلك البصمة الجينية التي لا يمكن محوها ولا يمكن رؤيتها إلا بعد استخدام وسائل غاية فى التعقيد، وهى بصمة تعكس بشكل ما شخصية صاحبها وتحدده، وتميزه عن سائر البشر إلى يوم القيامة.






وعند مقارنة ترتيب المناطق المذكورة بسلاسل الحمض النووي المأخوذ من الأب ومن الأم فإنه يمكن ببساطة تحديد المناطق القادمة من الأب والمناطق القادمة من الأم، وبالتالي يمكن الجزم بأن الحمض النووي للأب والحمض النووي للأم رغم الاختلاف البين بين تسلسل المناطق المصبوغة على سلاسل الأحماض الثلاثة (الأب والأم والابن) ...



إنها بصمة الأب وبصمة الأم داخل بصمة الابن تختلف داخل الرحم بأمر الخالق عز وجل "ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ" (آل عمران 34)






بصمة تلازم الإنسان طوال حياته ولا يمكن محوها أو التخلص منها بحال من الأحوال ... وبها يبعث من جديد بإذن الله، يوم ينفخ في الصور فيعود كل إنسان كما كان لم يتغير منه شئ بإذن الواحد القهار.






إن هذا الإنجاز الرائع في عالم الأحياء سيكون له شأن كبير بإذن الله فى نواحي كثيرة من العلم والبعث فى سبيل الوصول إلى معرفة المزيد من مظاهر الحياة الإنسانية ... فمثلاً سوف تستقر مشكلة تحديد الأبوة والبنوة وتتم بدقة لا يدخلها أي شك، وسوف يتأكد كل من حصل على ابن عن طريق التلقيح الصناعي (أطفال الأنابيب) إن كان المولود ابنه وابن زوجته دون شك أو خطأ، وقد يختفي مرتكب إحدى الجرائم تاركاً بعض قطرات من دمه أو بعضاً من خلايا جلده أو أنسجته عالقة بأظافر المجني عليه أو مسرح الجريمة، أو يعتدي السفاح على إحدى ضحاياه تاركاً حيواناته المنوية فكلها خلايا تحمل هويته وصورته الشخصية التي لا يستطيع تزويرها وتوقيعه في آلاف البطاقات الدالة عليه، فكل خليه نسخة مستقلة وصورة مكررة من صورة الشخصية ولا مجال للإنكار .... هنا تشهد الجلود والدماء والخلايا على المجرم. شهادة حق من شهود عدول...






إن دراسة (البصمات الجينية) قد فتحت مجالات عديدة للبحث مازال معظمها فى أول الطريق فهناك علاقتها بالأمراض الموروثة والمكتسبة، وعلاقاتها بالمناعة وقدرة الجسم على مقاومة مختلف التحديات، وهناك علاقتها بشخصية الإنسان وقدراته العقلية والجسدية واستعداداته النفسية وغير ذلك مما يصعب حصره.






وكلما بدأ البحث فى مجال بدت للباحثين مجالات أخرى كثيرة وآيات من آيات الله لم تكن تخطر لهم على بال مصداقاً لقوله تعالى :



"سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ" (فصلت 53)



وتدبر معي قول الحق تبارك وبالتالي :



(وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُم ْعَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ *  أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ)   (سورة الأعراف 172، 173)






وإنها حجة على العباد وشهادة مطبوعة داخل خلاياهم ومبرمجة عليها ذرات أجسامهم، فكيف ينكرونها وهى تنتقل من فرد إلى من يخلفه وحتى يرث الله الأرض ومن عليها، لذلك كان السؤال الاستنكاري "كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ" (سورة البقرة 28)






فهذا هو الإيمان مطبوع داخلكم مطبوع فى خلقكم وفى حقيقة لا يعلم كيفيتها إلا الله سبحانه وتعالى: " أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ" (سورة الملك 14)






وقد أكدت أوراق المؤتمر الذي عقدته المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية بعنوان :"مدى حجية البصمة الوراثية في إثبات البنوة"، والذي شارك فيه عدد من أبرز العلماء والأطباء المتخصصين فى هذا المجال أن كل إنسان ينفرد بنمط خاص في ترتيب جيناته ضمن كل خلية من خلايا جسده، ولا يشاركه فيها أي إنسان آخر فى العالم، وهو ما يعرف بـ "البصمة الوراثية" وأكد أحد الباحثين أن هذه البصمة تتضمن البنية التفصيلية التي تدل على كل شخص بعينه، ولا تكاد تخطئ في التحقق من الوالدية البيولوجية، فضلاً عن تعرف الشخصية وإثباتها.






وقد جاءت البصمة الوراثية بالمشاهدة الحقيقية للصفات الوراثية القطعية دونما كشف للعورة، أو مشاهدة لعملية الجماع بين الزوجين ودونما تشكك في ذمم الشهود أو المقربين أو القيافة ؛ لأن الأمر يرجع إلى كشف آلى مطبوع مسجل عليه صورة واقعية حقيقية للصفات الوراثية للإنسان، والتي تتطابق في نصفها مع الأم الحقيقية ونصفها الآخر مع الأب الطبيعي، فهل بعد ذلك يجوز أن نلتجئ لأدلة الظن ونترك دليل القطع ؟



إن وسائل إثبات النسب ليست أموراً تعبدية حتى نتحرج من إهمالها بعد ظهور نعمة الله تعالى بالبصمة الوراثية، ولن نهملها في الحقيقية ؛ لأنها حيلة المقل، فإذا لم تتيسر الإمكانات لتعميم البصمة الوراثية فليس أمامنا بد من الاستمرار فى تلك الوسائل الشرعية المعروفة.






إن اعتماد "البصمة الوراثية " دليلاً قطعياً للفراش الحقيقي ينشئ دعوى جديدة يمكن أن نطلق عليها "دعوى تصحيح النسب" لم يكن لها من قبل ذيوع، وإن كان أصلها فى الكتاب والسنة.






يقول الله تعالى " وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءكُمْ أَبْنَاءكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ * ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ" (سورة الأحزاب : 4-5).






وهكذا أوجدت لنا "البصمة الوراثية" نوعاً جديداً من الدعاوى، وفتحت باباً جديداً للتنازع يجب أن نسلم بواقعه وهو ضريبة التقدم التقني والتفوق الطبي.






وإذا كان الفقهاء قد نصوا على استحباب اتخاذ السجلات لقيد الحقوق والأحكام، ونص بعضهم على وجوب ذلك إذا تعلق بحق ناقص الأهلية أو عديمها فمن الضروري استصدار قرار إدارى يمنع استخراج شهادة بقيد ميلاد طفل إلا بعد إجراء "البصمة الوراثية" لترفق وتلصق بتلك الشهادة، على أن تكون بصمة الطفل مطابقة لبصمة الأبوين اللذين ثبتت علاقتهما الشرعية فى وثيقة الزواج.






وهذا الأمر يستوجب باليقين أن تسجل البصمة الوراثية لكل من الزوجين بمجرد العقد وقبل الدخول، وتقرن تلك البصمة الخاصة بالزوجين معاً بقسيمة الزواج الرسمية، حتى إذا ما رزقهما الله بمولود توجها لتسجيل اسمه مع بصمته الوراثية التي يجب أن تتطابق مع بصمة والديه الثابتة على قسيمة الزواج.






إن في مثل هذا القرار مسايرة للعصر وأخذاً بالحقائق العلمية وله نتائج اجتماعية عظيمة ؛ حيث سيضيق الخناق على المنحرفين والمزورين دونما طفرة أو هزة.



إن هذا هو أقل حق يمنح لطفل القرن الحادي والعشرين الميلادي الخامس عشر الهجري الذي ولد في ظل الثورة المعلوماتية.






إننا نخدع أنفسنا في أحيان كثيرة، كالحمل في حال غياب الزوج وسفره للعمل بالخارج أو في حال مرضه الجنسي والنساء اللاتي عرفن بسوء السلوك والانحراف الأخلاقي مستغلين ضعف الأزواج وغفلتهم، والنساء اللاتي تسرقن المواليد لعقمهن من أجل بقاء رباط الزوجية ...






إن من حق الطفل أن يدفع عنه العار بانتمائه إلى والدين حقيقيين، كما أن من حقه أن ينتفع بتقنية عصره، كما أن من حق الزوج ألا ينسب إليه إلا من كان من صلبه.






ومن الضروري أيضاً استصدار قرار مثيل للأطفال اللقطاء ومجهولى النسب للبحث عن والديهم أو لمعرفة أمهاتهم على الأقل إن كانوا أبناء خطيئة، وذلك لانتسابهم إليها شرعاً، وما يتعلق  بذلك من أحكام شرعية كالميراث وبيان المحرمات والأرحام ..، وبذلك تنعدم أو تقل ظاهرة انتشار دور الأيتام من اللقطاء الذين يشبون حاقدين كارهين للمجتمع، إن تنسيبهم للأم الحقيقية سيخفف بالتأكيد من حدة تلك الكراهية، بدلاً من فكرة الأم البديلة، وحتى تشارك الأم المخطئة في الإصلاح كما شاركت في الفاحشة، قال تعالى " وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّـيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ". (سورة هود : الآية 114).


Admin · شوهد 31 مرة · وضع تعليق
24 نوفمبر 2007 

البصمة بين الاعجاز والتحدي .. القسم الثالث


3- بصمة العين :



إن بصمة العين التى اكتشفها الأطباء منذ خمس سنوات وتستخدمها الولايات المتحدة وأوروبا حاليا فى المجالات العسكرية هي أكثر دقة من بصمة أصابع اليد لأن لكل عين خصائصها فلا تتشابه مع غيرها ولو كانت لنفس الشخص. وفي المستقبل القريب سوف تُستخدم بصمة العين في مجالات متعددة من أهمها تأمين خزائن البنوك مثلما تؤمنها حاليا بالبصمة الصوتية حيث يضع عميل البنك عينيه فى جهاز متصل بكمبيوتر فإذا تطابقتا مع البصمة المحفوظة بالجهاز فتحت الخزينة المطلوبة على الفور.



وبصمة العين التى يمكن رؤيتها مكبرة 300 مرة بالجهاز الطبي "المصباح الشقي" يحددها أكثر من 50 عاملا تجعل للعين الواحدة بصمة أمامية وأخرى خلفية وباللجوء إليهما معا يستحيل التزوير.



وقد بدأت بالفعل دولة الإمارات العربية المتحدة بتطبيق مشروع بصمة العين في كافة منافذها الجوية والبرية والبحرية لتكون بذلك أول دولة في العالم تطبق هذا النظام للتعرف على هوية القادمين والمغادرين.



أ- بصمة الشبكية :



الشبكية هى : الطبقة العصبية الحساسة للعين وتكون الجزء الداخلي لجدار العين وتلى المشيمية وتبتدئ فى المكان المقابل لانتهاء الجزء المسطح من الجسم الهدبى حيث تظهر وتسمك فجأة مكونة ما يسمى بالعروة المسررة Ora Serrata وهى كما يتبين من معنى الاسم فتحة تشبه عروة الزرار، ثم تمتد إلى الخلف مسيرة لانحناء جدار العين ومغطيه طبقة المشيمية حتى القطب الخلفي Posterior Pole ، وهناك تخرج منها الألياف المكونة للعصب البصري، ويبلغ قطر رأس العصب البصري Optic Nerve Head  حوالي 1.5 مليمتر ويبعد عنه إلى الجهة الطارفة منه Temporal بحوالي 3 مليمتر المكان المسمى بالماقوله الصفراء Macula Lutea  المتخصص في الرؤية المركزية، وهو مكان خال من الأوعية الدموية يبلغ قطرة 1.5 مليمتر أبضاً، وبمنتصف هذا المكان يوجد إنخساف صغير يدعى البؤرة المركزية Fovaa Centralis  ينعكس الضوء على  جنباتها فتظهر ذات بريق أصفر، ويخترق منتصف رأس العصب البصري (حلمه العصب البصري Optic Nerve Papilla) الأوعية الدموية Vessels  المسماه الشريان الشبكي المركزي والوريد الشبكي المركزي، والشريان الشبكي يعتبر شريانا نهائياً End Artery  متفرع من الشريان العيني Ophthalmic Artery وينقسم الشريان الشبكي إلى فرعين، علوي Superior   وسفلي Inferior  ثم ينقسم كل منهما إلى فرعين : طرفي ووسطي Temporal and nassal or Lateral and Medial  











 وبذلك يكون لدينا أربعة فروع علوي طرفي Upper Temporal   وسفلي طرفي Lower Temporal ، وعلوي وسطي Upper Medial ، وسفلي وسطى Lower Medial كل منها يغذي الربع الشبكي المقابل له وذلك بمتابعة إنقسامه زوجياً حتى يصل إلى نهاية الشبكية عند العروه المسرره، ويتبع الرجوع الوريدي الشبكي نظاماً مماثلاً إلى أن تضم الفروع الوريدية الأربعة إلى وريدين علوي وسفلي ثم يتحدان في وريد شبكي مركزي واحد ينقل الرجع الوريدى إلى الأوردة العينية العلوية والسفلية Superior and inferior Ophthalmic Veins  اللذين يصبان في الصيان الكهيفي Cavernous Sinus  على جانبي الحفرة النخامية Pitutary Fossa .



ويرى الناظر والمدقق لمسار الأوعية الدموية بالشبكية أنها تختلف من شخص لآخر فى شكلها ومكانها وفى تفرعاتها الأربعة وكذلك تفرعاتها الثانوية، وليس ذلك فحسب بل تختلف أيضاً فى نفس الشخص، فمسار الأوعية الدموية للشبكية فى العين اليمنى تختلف عن العين اليسرى، هذا فى العين الطبيعية ... ناهيك عن أن كل عين تختلف عن الأخرى من حيث حجمها وقوة إبصارها وهذا أيضاً يوسع دائرة الاختلاف بين العينين، فهذه عين حجمها صغير مصابة بطول نظر وتلك عين حجمها كبير مصابة بقصر نظر ... وهذا ذكر وتلك أنثى، وهذا صغير وذاك كبير ... الخ. وبالمثال يتضح المقال، فهذه صورة لشبكية عين طبيعية، يبدو فيها مسار الأوعية الدموية المركزية للشبكية.






وهذه أمثلة أخرى لمجموعة من الأشخاص الطبيعيين يظهر بكل مثال صورة لشبكية العين اليمنى وأخرى للعين اليسرى. ويرى المدقق والملاحظ لهذه الصورة عدم تطابق بل استحالة وجود صورتين متطابقتين تماماً ... فليس هناك مجال للصدفة أو التشابه.















ب- بصمة القزحية (3) : 



وداعاً لبصمة الإبهام ... مرحباً بالقزحية :



لقد اجتذبت العيون عالم الحاسوب "جون دوجمان" من جامعة كمبردج البريطانية، فاستجاب لسحرها ولكن بطريقته الخاصة مستخدماً آلة ساحرة "أيضاً هي الحاسوب لكشف أسرار العيون ولايفل السحر إلا السحر‍ .



وقد اعتمد "دوجمان" على حقيقة تشريحية تقول أن القزحية الجزء الملون فى العين والذي يتحكم فى كمية الضوء النافذة من خلال البؤبؤ أو إنسان العين – تتركب من نسيجين عضليين وتجمعات من ألياف مرنة وأن هذه الألياف تتخذ هيئتها النهائية فى المرحلة الجينية ولا تتبدل بعد الميلاد.



واستخدم "دوجمان" آلة تصوير تعمل بالأشعة تحت الحمراء، صور بها توزيع هذه الألياف العضلية ثم عالج الصور المتحصل عليها ببرنامج الحاسوب وحول الصور بيانات رقمية (وهذه الآلة تختلف عن الجهاز الذى يستخدمه أطباء العيون فى الكشف على العين).



وأجرى "دوجمان" 30 مليون عملية مقارنة بين صفات قزحيات العيون التى صورها مترجمة إلى بيانات رقمية فلم يعثر على قزحتين متطابقتين.



الأكثر من ذلك أن عدم التطابق ينسحب على العينين اليمنى واليسرى لنفس الشخص، والأهم والمثير للعجب – أن نظام توزيع الألياف فى القزحية يختلف بين التوائم، وهذا يعنى أن طريقة دوجمان توفر لنا وسيلة أكثر دقة حتى من الحمض الوراثى (D. N. A.) ناهيك عن بصمات الأصابع فى التحقق من شخصيات الأفراد ويرفع من قيمة الوسيلة أن البرنامج الحاسوبى الخاص بها يمكنه مراجعة صفات مائة ألف (بصمة قزحية) فى ثانية واحدة.



 بصمة الانحراف الجنسي فى العين (4) :



هناك مرض يصيب العين وله علاقة تكشفه ويسمى "أفر نجى العصب الثالث" أو (زهري العصب الثالث) وفى هذه الحالة تبقى حدقة العين بشكل نقطة صغيرة وتمنع التفاعل مع النور في القرب أو البعد.



ويقول الأطباء : إن هذا الموضوع من نواتج الزنا والحوادث الجنسية المشبوهة حيث تتسبب بشكل مباشر فى نقل هذا المرض، وكأن تضيق الحدقة يعتبر بصمة الانحراف على عينيه ؟ أو هي ضيق الرؤية أمام ناظريه كعلامة لضعف البصيرة.



كما يلاحظ بعض العلامات الخاصة على الإفرنجي الولادى Congenital Syphilis  والخاصة بالعين من أمثال كثافة القرنية حيث لا يستطيع الرؤية وكأنها التعبير العضوي عن عمى البصيرة الذي حمله المجرم الأول أعلنت عنه العضوية في صورة الجنين.



وكما أن الموت يبطل فعاليات التوازن جميعها فتتسع الحدقة. ولا تستجيب فإن هذا المرض يضيق الحدقة فيمنعها من التوازن والاتساع وعدم الاستجابة للنور فاستجابة العين للتوازن والنور والرؤية دليل على صلاحيتها، أما بقاؤها ضيقة أو اتساعها على الدوام فهذا علامة إما على الموت أو على المرض.

























4-  بصمة العرق : (5)



لكل إنسان بصمة لرائحته المميزة التي يتفرد بها وحده دون سائر البشر في أجمعين، والآيات تدل على ذلك قال تعالى "اذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَـذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ {93} وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ" سورة يوسف آية (93، 94). ففي هاتان الآيتان تأكيداً لبصمة رائحة سيدنا يوسف عليه السلام والتي تميزه عن كل البشر فقد عرف الابن ابنه من رائحة عرقه على القميص، ونظراً لزيادة الإجرام والمجرمين وتطور طرق القتل والسرقة والاغتصاب في عصرنا الحاضر، نجد عدداً من العلماء يتابعون البحث عن وسائل أخرى تساعد القضاء الجنائي في إثبات الجريمة على مقترفيها دون أن يمكنه التهرب من قبضة العدالة مهما حاول تضليلها، وخاصة أن مكافحة الإجرام أصبحت علماً له رواده ومفكروه ووسائله المتطورة جداً، كما أن القتل يعد مشكلة علمية، وقد أدى البحث لبعض العلماء إلى اكتشاف عدة سمات سواء للإنسان أو الحيوان، فكانت بصمة العرق التي أشار إليها القرآن الكريم.






واليوم يستخدم جهاز قياس الرائحة وتسجيل مميزاتها بأشكال متباينة ومخططات علمية لكل شخص، وهى تعتمد على أن لكل شخص رائحته الخاصة التى لا تتفق مع غيره والتى تبقى مكانه حتى بعد مغادرته لهذا المكان، وعليها قامت فكرة "الكلاب البوليسية المدربة" فالكلب المدرب يستطيع أن يميز بين رائحة توأمين متطابقين تماماً.



يقول الدكتور اندرو  درافنيكس Andrew Drafinx - من معهد شيكاغو التكنولوجى والذي عمل على تطويرها: ومع أنها مازالت بطور الاختبار فإنها لاقت اهتماماً كبيراً من الأوساط المعنية".



وتعتمد الطريقة المذكورة على جهاز لقياس (الرائحة) وتسجيل مميزاتها بشكل مخططات فريدة بالنسبة لكل شخص.



وظهر أيضاً فى السنوات الأخيرة طريقة جديدة لإثبات الشخصية وهى من ابتكار



(ل، ج، كيرستا) L. G. Kersta   أحد مهندسي مختبرات شركة بيل للهواتف فى الولايات المتحدة، ولقد وجد هذا المهندس أن جميع الترددات التى تنجم عن نطق مقطع واحد تعطى صورة طيفية Spectrogram أو صوتية Sonogram تبدو كميزة فريدة للشخص، وبذلك يمكن التعرف على الأصوات بهذه الطريقة بقدر كبير من الثقة، وأبعد من ذلك كله فإن تحليل (طيف الحمض الأمينى) فى المادة العرقية نفسها يكشف عن نواحي نوعية تتعلق بالشخص الواحد



ويقول البورفيسور (وولتر نيوهاوس) من جامعة "ايرلانجن" بألمانيا : إن كل خطوة قدم عارية لإنسان بالغ تترك على الأرض كمية من العرق تقدر بحوالى أربعة أجزاء من بليون جزء من الجرام، ورغم ضآلتها وعجز أية وسيلة متاحة لاكتشافها إلا أنها كافية لأنف الكلب المدرب لتتبع مسارها.



5-  بصمة الصوت :



يحدث الصوت في الإنسان نتيجة اهتزاز الأوتار الصوتية في الحنجرة بفعل هواء الزفير بمساعدة العضلات المجاورة التي تحيط بها 9 غضاريف صغيرة تشترك جميعها مع الشفاه واللسان والحنجرة لتخرج نبرة صوتية تميز الإنسان عن غيره، وفي الآية الكريمة : (حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ)- النمل: آيه 18.



فقد جعل الله بصمة لصوت سيدنا سليمان جعلت النملة تتعرف عليه وتميزه، كذلك جعل الله لكل إنسان نبرة أو بصمة صوته المميزة.



والأصوات كالبصمات لا تتطابق فكل منا يولد بصوت فريد مختلف عن الأخر، والأغرب من ذلك أن التوائم على الرغم من تطابقهم في كل شئ ليس فقط الصعيد المادي المحسوس، ولكن أيضاً في الشكل والطول ولون الشعر والعينين والصعيد المعنوي أيضاً إلا أنه تختلف أصواتهم.



هناك قصة شهيرة لتوأمين أمريكيين انفصلا بعد ولادتهما عن بعضهما لتتولى تربيتهما عائلتان مختلفتان وفى ولايتين أيضاً تبعد الأولى عن الثانية عدة أميال، وبعد عمر طويل تلاقيا ليكتشفا أن كلاً منهما مر بنفس الظروف النفسية واتخذ نفس المهنة وتزوجا فتاتين تحملان نفس الاسم.



ومن المدهش أنه على الرغم من التشابه الكبير إلا أن لكل منهما صوتاً مختلفاً يميزه عن الآخر.  إنه إعجاز رباني يفوق تخيل العقل البشرى المحدود.



الصوت والكشف عن الجريمة :



وقد استغل البحث الجنائي هذه البصمة في تحقيق شخصية الإنسان المعين، حيث يمكنهم تحديد المتحدث حتى ولو نطق بكلمة واحدة ويتم ذلك بتحويل رنين صوته إلى ذبذبات مرئية بواسطة جهاز تحليل الصوت "الإسبكتروجراف"، وتستخدمها الآن البنوك في أوروبا حيث يخصص لبعض العملاء خزائن، هذه الخزائن لا تفتح إلا ببصمة الصوت.



 



لذلك بدأت أجهزة الشرطة في الاستفادة بذبذبات الصوت للكشف عن المجرمين وخاصة فى حالات البلاغات المجهولة التي تتم عن طريق الهاتف، ويتم ذلك عن طريق رسم بياني للصوت يحدد ثلاثة أبعاد : (الوقت – القوة – الذبذبات) كما أنه يوجد مدى صوتى مثلما يوجد مدى حيوي، فإذا حدث وفتح باب مطعم مثلاً نجد جميع الحاضرين وعلى الطاولات المختلفة يخفضون أصواتهم بطريقة أتوماتيكية.



ويؤكد مهندسو اتصالات فلسطينيون أن (بصمة الصوت) هي السبب  في نجاح سياسة الاغتيالات الاسرائلية للناشطين من الفلسطينيين في الفترة الأخيرة حيث يستطيعون عن طريق الحصول على بصمة صوت الشخص المطلوب تحديد من يتحدث معهم ويتحدثون معه وكذلك تحديد موقعه وبالتالي تسهل عليهم مهمة اغتياله.



6- بصمة الشفاة :



    كما أودع الله بالشفاه سر الجمال أودع فيها كذلك بصمة صاحبها، ونقصد بالبصمة هنا تلك العضلات القرمزية التي كثيرًا ما تغنَّى بها الشعراء وشبهها الأدباء بثمار الكريز، وقد ثبت أن بصمة الشفاه صفة مميزة لدرجة أنه لا يتفق فيها اثنان في العالم، وتؤخذ بصمة الشفاه بواسطة جهاز به حبر غير مرئي حيث يضغط بالجهاز على شفاه الشخص بعد أن يوضع عليها ورقة من النوع الحساس فتطبع عليها بصمة الشفاه، وقد بلغت الدقة في هذا الخصوص إلى إمكانية أخذ بصمة الشفاه حتى من على عقب السيجارة.






7- بصمة المخ :



ابتكر "لورانس فارويل" تقنية جديدة تعرف باسم" بصمة المخ" يمكن أن يتحدد من خلالها مدى علم المشتبه به بالجريمة مما يمكن المحققين من التعرف على مرتكبي الجرائم. وتعمل تقنية فارويل الجديدة بقياس وتحليل طبيعة النشاط الكهربائي للمخ في أقل من الثانية لدى مواجهة صاحبه بشيء على علم به. وعلى سبيل المثال إذا ما عرض على قاتل جسم من موقع الجريمة التي ارتكبها لا يعرفه سواه يسجل المخ على الفور تعرفه عليه بطريقة لا إرادية. وتسجل التقنية ردود أفعال المخ بواسطة أقطاب كهربية متصلة بالرأس ترصد نشاط المخ كموجات. أما الشخص الذي لم يكن في موقع الجريمة فلن يظهر على مخه أي رد فعل.



8- بصمة الأذن



يولد كل إنسان وينمو حاملاً بصمة أذنه المميزة والتي لا تتغير منذ ولادته وحتى مماته ولا تتشابه بين شخصين على ظهر الأرض، وتهتم بعض الدول بدراسة هذه البصمة وقد تكشف لنا السنوات القليلة القادمة عن تقنيات جديدة لاستخدامها في علم الجريمة واقتفاء الأثر في ظل هذا التطور العلمي المذهل.



 



خاتمــــــة



إن الإنسان كله بصمات، فبصماته توجد فى اليد والقدم والشفتين والأذنين والدم واللعاب والشعر والعيون ... وغيرها .



وتخدم البصمات في إظهار هوية الشخص الحقيقية بالرغم من الإنكار الشخصي أو افتراض الأسماء، أو حتى تغير الهيئة الشخصية من خلال تقدم العمر أو المرض أو العمليات الجراحية أو الحوادث".



كذلك يمكن اقتفاء أثر الإنسان من مشيه وخطواته، أو أياديه وأصابعه، أو حتى أحياناً في رائحته الخاصة التي تتعرف عليها الكلاب البوليسية، والسؤال هنا كيف يتم تفرد الإنسان حتى رائحته الخاصة بحيث يميز الكلب البوليسي بين رائحة إنسان وآخر، بل وحتى يطبع الإنسان مكان وجوده وبعد تركه له برائحته الخاصة الثابتة التي لا تتغير ؟!! قد نفهم أو يقترب إلينا الفهم عندما يتحدث القرآن عن نطق من نوع غير النطق المعروف.



"لْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ"



فالنطق أنواع فقد يكون بالبيان المبين، أو شهادة الجلد، أو أثر البصمة أو رائحة الجلد ...



لقد كانت البصمة ولا تزال سراً من أسرار عظمة الله عز وجل فى خلقه ليثبت قوله



"صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ"  (سورة النحل 88)



فما أعظمها من آية تؤكد قدرة الخالق !


Admin · شوهد 13 مرة · وضع تعليق
24 نوفمبر 2007 

مَنْ عَلَّم آدم


لقد دأب أعداء الإسلام على مهاجمته من خلال التشكيك في لغة الوحي، وقد ذكر ذلك في القرآن الكريم وها هم يعاودون الكرة، ولكن في هذه المرة من خلال عملاء لهم من المنتسبين إلى الإسلام، فظهرت فتنة الشعر الجاهلي وفتنة الآيات الشيطانية ومفهوم النص يريدون بها أن يوحوا لعقول البسطاء غير الراسخين في العلم بأن لغة القرآن أو منطوقهقابل للتغير في الزمان والمكان، بل قابل للنقض والإبرام كما هو في أي نص أدبي من إنتاج البشر، حتى يخرجوا النص القرآني من جانب الوحي الإلهي إلى جانب الوضع الإنساني، بمعنى أن يجعلوه كلام بشر، ولكن هيهات لهم أن ينجحوا في ذلك، لأن الحق سبحانه وتعالى جعل في كتابه آيات وفي كونه آيات، وجعل العقل دليلاً  يستطيع أن يصل إلى الحق والحقيقة وهذا العلم دليلٌ على ذلك، وهذا البحث يحتاج إلى إمعان فكر لأنه بلغة علمية رصينة ونتيجة أبحاث علمية متينة.



ولأن الكمال لله والعجز من شيمة البشر، فإني أعتذر للقارئ المفكر من قصور قد يجده في سياق البحث ولكن ليكن هذا البحث بداية أعمالعلمية موسعةتشترك فيه مجموع من العقول الباحثة عن الحقيقة المجاهدة في سبيل إعلاء كلمة الحق بالفكر والعلم ومن تعصب ولا حول ولا قوة إلا بالله.



خلق أعداء الوحي (القرآن) أفكاراً جديدة تتمثل في اتجاهين:



1) ـ اتجاه يشكك في الإسناد المتمثل في الشعر الجاهلي كمرجع للبيان العالي وللإعجاز البياني، ويقولون إن الشعر الموجود في بداية نزول الوحي شعر مزيف منسوب للشعر الجاهلي، وهم يريدون بذلك أن يهدموا المرجع للإعجاز البياني في اعتقادهم، وإذا هدموا المرجع هدموا إعجاز النص المرسل بالوحي في اعتقادهم.



 2) ـ اتجاه آخر يقول بأن النص المرسل من جنس البشر ولغة البشر اصطلاحية بشرية أو تطورية نشأت بالصدقة ثم بالاصطلاح البشري البحت يريدون أن يقولوا أن النص المرسل قابل للتغير في الزمان والمكان، ومدلولاته قد تعطي مفاهيم في زمان غير الذي تعطيه في زمان آخر، وهذه الفرية تهدم الإعجاز والثبات والعالمية للنص المرسل بالوحي. (ملحوظة: المقصود بالنص المرسل بالوحي هنا القرآن الكريم المعجزة الخالدة)، ومع اشتراك أصحاب هذه الاتجاهات في هدف واحد وهو الإيحاء ببشرية النص ولأنه بشري فهو قابل للنقض والإبرام والتغير في الزمان والمكان. ومع ذلك فوسيلة الوصول إلى ذلك الاتجاه الأول تختلف بل تتناقض مع وسيلة الاتجاه الثاني.



فالاتجاه الأول يعتبر أن اللغة وصلت إلى قمة مجدهاوبيانها عند نقطة معينة، وبعدها حدث الانهيار والضعف، وعند هذه النقطة يكون الإسناد والقياس والمرجعية، ولأن هذه النقطة مفقودة فالإسناد ضعيف.



والاتجاه الثاني يقول العكس بأنه لا إسناد ولا قمة بل اللغة تتطور إلى الأصلح دائماً وأبداً، فهي مع الإنسان في حركته في الزمان والمكان، وما كان مبيناً معجزاً في وقت لهو غير ذلك في وقت آخر، بل قد تختلف الدلالة بالكلية من زمان إلى زمان بل ومن مكان إلى مكان.



ولأن هذه القضايا من تلبيس إبليس فإن الرد العلمي هو خير وسيلة لمنع الآثار المدمرة لهذه الفتن الشيطانية، فهيا بنا مع العقل والعلم مع الفكر الهادئ لنصل إلى الحقيقة بإذن الله.



العقل هو أداة التكليف وهو ميزة بشرية عالية، وهو لطيفة ربانية ميزت جنس الإنسان عن بقية المخلوقات، وهو موجود غير محسوس، وهو مدرك بآثاره الواضحة، والتي منها الفرق بين من له عقل ومن لا عقل له، وحتى هذا الفرق لا يدرك إلا به، وهو اللطيفة التي بها يفهم الحس ويتوصل به إلى نتائج ذات معنى من مقدمات متعددة، وهو المقباسالمخترع المبدع وهو هبة من الله للإنسان تكليفاً وفي غيابه يسقط التكليف وبه يتمايز المكلفون. ولكي تتواصل العقول كان لا بد من لغة فيها بيان من خلالهاتتلاقح الأفكار لتولد المعاني، والمعاني الجديدة ومن خلاله تتواصل المعاني الداخلية من فرد إلى فرد، ومن أمة إلى أمة وبقدر العقول تكون درجة ذلك البيان، وهذه اللغة وذلك البيان علم والعلم يحتاج إلى معلم فمن علم الإنسان؟ الإجابة أبواه وأساتذته وبتسلسل القضية حتى آدم يسأل العقل من علم آدم؟ وتسمع الإجابة من رب آدم:)وعلم آدم الأسماء كلها .. ([الآية 31 سورة البقرة].



ومن هنا بدأت قضية اللغة: أتوفيقية هي أم اصطلاحية؟ بمعنى هل هي إلهام من الله أم من تواضع البشر؟ ولهذه القضية تاريخ طويل فهيا بنا في رحلة مع القضية عبر الزمان.



نشأة اللغة:



هناك أربع نظريات في نشأة اللغة هي:



(النظرية الأولى)إلهام إلهي هبط على الإنسان فعلمه النطق وأسماء الأشياء وذهب إلى هذا الرأي:



أ ـ في العصور القديمة:الفيلسوف اليوناني هيراكليت، ب ـ في العصور الوسطى: ابن فارس، ج ـ في العصور الحديثة: الأب لامي والفيلسوف دوبونالد. قال ابن فارس(2).



أقول: إن لغة العرب توفيق ودليل ذلك قوله تعالى: )وعلم آدم الأسماء كلها  (فكان ابن عباس يقول: علمه الأسماء كلها وهي هذه التي يتعارفها الناس من دابة وأرض وسهل وجبل وحمار وأشياء ذلك من الأمم وغيرها. وعن مجاهد قال: علمه اسم كل شيء، وقال غيرهما: إنما علمه أسماء الملائكة، وقال آخرون: علمه أسماء ذريته أجمعين. فإن قال: أفتقولون في قولنا سيف وحسام إلى غير ذلك من أوصافه أنه توفيق حتى لا يكون شيء منه مصطلحاً عليه؟ قيل له: كذلك نقول، والدليل على صحة ما نذهب إليه إجماع العلماء على الاحتجاج بلغة القوم فيما يختلفون فيه أو يتفقون عليه، ثم احتجاجهم بأشعارهم، ولو كانت اللغة، واضعة واصطلاحاً لم يكن أولئك في الاحتجاج بهم بأولى منا في الاحتجاج لو اصطلحنا على لغة اليوم ولا فرق.



ولعل ظاناً يظن أن اللغة التي دللنا على أنها توقيف إنما جاءت جملة واحدة وفي زمان واحد. وليس الأمر كذلك بل وفق الله جل وعز آدم عليه السلام على ما شاء أن يعلمه إياه مما احتاج إلى علمه في زمانه وانتشرت من ذلك إلى ما شاء الله، ثم علم بعد أدم عليه السلام من عرب الأنبياء صلوات الله عليهم نبياً نبياً ما شاء أن يعلمه، حتى انتهى الأمر إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فآتاه الله عز وجل من ذلك ما لم يؤت أحداً قبله، تماماً على ما أحسنه من اللغة المتقدمة، ثم قر الأمر قراه فلا نعلم لغة من بعده حدثت. فإن أخطأ أحد في اللغةوجد من نقاد العلم من ينقيه ويرده.



ونقطة أخرى أنه لم يبلغنا أن قوماً من العرب في زمان يقارب زماننا أجمعوا على تسمية شيء من الأشياء مصطلحين عليه، فكنا نستدل بذلك على اصطلاح كان قبلهم. وقد كان من الصحابة رضي الله عنهم ـ وهم البلغاء والفصحاء ـ من النظر في العلوم الشريفة ما لا خفاء به وما علمناه اصطلحوا على اختراع لغة أو أحداث لفظة لم تتقدمهم.



ومعلوم أن حوادث العالم لم تنقضيإلا بانقضائه ولا تزول إلا بزواله وفي ذلك دليل على صحة ما ذهبنا إليه من هذا الباب. ورد ابن جني على النظرية بتأويل الآية )وعلم آدم الأسماء .. (بأنها قد تحتمل أن الله تعالى أقدر الإنسان على وضع الألفاظ.



وفي العهد القديم، سفر التكوين: ( الله خلق من الطين حيوانات الحقول وجميع طيور السماء ثم عرضها على آدم ليري كيف يسميها وليحمل كل منها الاسم الذي يضعه لها الإنسان، فوضع آدم أسماء لجميع الحيوانات المستأنسة ولطيور السماء ودواب الحقول ..). ويقول الأستاذ الدكتور / علي عبد الواحد: أن ككل هؤلاء يقررون بأن اللغة التوفيقية إلهامية ولكن أصحاب هذه النظرية لا يكادون يقدمون بين يدي مذهبهم دليلاً يعتد به. وأما أدلتهم النقلية فبعضها يحتمل التأويل وبعضها يكاد يكون دليلاً عليهم لا لهم.



النظرية الثانية:



تقول بأن اللغة اصطلاحية حدثت بالتواضع والاتفاق وارتجال ألفاظها ارتجالاً ومن أهم من تكلموا عنها ابن جني(3)يقول: (هذا موضع محرج إلى فضل تأمل، غير أن أكثر أهل النظر على أن أصل اللغة إنما هو تراضه واصطلاح لا وحي (وتوقيف) ويشرح رحمه الله ذلك بقوله: وذلك أنهم ذهبوا إلى أن أصل اللغة لا بد فيه من المواضعة قالوا: وذلك كأن يجتمع حكيمان أو ثلاثة فصاعداً فيحتاجون إلى الإبانة عن الأشياء المعلومات، فيضعون لكل واحد منها سمة ولفظاً ثم يقول رحمه الله: (أن كل اللغات تجري على هذا المنوال ثم يتولد منها لغات كثيرة، ولكن لا بد لأولها أن يكون متواضعاً عليه بالمشاهدة والإيماء).



وقال أصحاب هذا الرأي: إن القدير سبحانه لا يجوز أن يوصف بأنه يواضع أحداً من عبادة على شيء، إذ قد ثبت أن المواضعة لا بد لها من إيماء وإشارة بالجارحة نحو المومأ إليه، والمشار نحوه، والقدير سبحانه لا جارحة له فيصح الإيماء والإشارة بها منه.



ثم قالوا: ولكن يجوز أن ينقل الله اللغة التي قد وقع التواضع بين عباده عليها، بأن يقول: الذي كنتم تعبرون عنه بكذا عبروا عنه بكذا، والذي كنتم تسمونه كذا ينبغي أن تسموه كذا، وجواز هذا منه ـ سبحانه ـ كجوازه من عباده.



ويعلق ابن جني رحمه الله قائلاً: إلا أنني سألت يوماً بعض أهله، فقلت: ما تنكر أن تصح المواضع من الله تعالى؟ وإن لم يكن ذا جارحة، بأن يحدث في جسم من الأجسام، خشية أو غيرها، إقبالاً على شخص من الأشخاص، وتحريكاً لها نحوه، ويسمح في نفس تحريك الخشية نحو ذلك الشخص صوتاً يضعه اسماًله، ويعيد حركة تلك الخشية نحو ذلك الشخص دفقات، فتقوم الخشية في هذا الإيماء، وهذه الإشارة مقام جارحة ابن آدم في الإشارة بها في الواضعة ثم يعقب قوله: وأعلم فيما بعد، أنني علم تقادم الوقت، دائم التغير والبحث عن هذا الموضع، فأجد الدواعي والخوالج قوية التاذب لي، مختلفة جهات التقول على فكري، وذلك بأنني إذا تأملت حال هذه اللغة الشريفة الكريمة اللطيفة، وجدت فيها من الحكمة والدقة، والإرهاف والرقة، ما يملك على جانب الفكر، حتى يكاد يطمح به أمام غلوة السحر، وانضاف إلى ذلك وارد الأخبار المأثورة بأنها من عند الله عز وجل فقوي في نفسي اعتقاد كونها توفيقاًمن الله سبحانه وأنها وحي، ثم أقول في ضد هذا. كما وقع لأصحابنا ولنا تنبهوا وتنبهنا، على تأمل هذه الحكمة الرائعة الباهرة، كذلك لا ننكر أن يكون الله تعالى خلق من قبلنا ـ وإن بعد مداه عنا ـ من كان ألطف منا أذهاناً وأسرع خواطر، وأجرأ جفاناً فأقف بين هاتينالخلتين حسيراً، وإن خطر خاطر فيما بعد يعلق الكف بإحدى الجهتين ويكفها عن صاحبتها قلنا به، وبالله التوفيق.



وهكذا انتهى بحث ابن جني عن نشأة اللغة أو الكلام البشري بالحيرة والتردد وعدم الجذم وهذا إحساس صادق لعالم كبير كما سترى في سياق البحث.



ويعلق الأستاذ الدكتور / علي عبد الواحد وافي في كتابه(4)بقوله: وليس لهذه النظرية أي سند عقلي أو نقلي أو تاريخي، بل إن ما تقره ليتعارض مع النواميس العامة التي تسير عليها النظم الاجتماعية، فعهدنا بهذه النظم أنها لا ترتجل ارتجالاً ولا تخلق خلقاً، بل تتكون بالتدرج من تلقاء نفسها.



هذا ولأن التواضع على التسمية يتوقف في كثير من مظاهره على لغة صوتية يتفاهم بها المتواضعون فما يجعله أصحاب هذه النظرية منشأ للغة يتوقف هو نفسه على وجودها من قبل.



النظرية الثالثة:



تقرر أن الفضل في نشأة اللغة يرجع إلى غريزة خاصة زود بها في الأصل جميع أفراد النوع الإنساني، وإن هذه الغريزة كانت تحمل كل فرد على التعبير عن كل مدرك حسي أو معقول بكلمة خاصة به كما أن غريزة التعبير الطبيعي عن الانفعالات تحمل الإنسان على القيام بحركات وأصوات خاصة (الضحك، البكاء تغيرات الأسارير المختلفة ..) وأن هذه التغيرات الغريزية عامل مشترك من البداية لجنس الإنسان . وأنه يعد نشأة اللغة الإنسانية الأولى لم يستخدم الإنسان هذه الغريزة فأخذت تنقرض شيئاً فشيئاً حتى تلاشت.



ولقد وجد العالم الألماني (مكس مولر) أن اللغات الهندية الأوربية وهي إحدى اللغات الثلاث التي يرجع إليها اللغات الإنسانية لها مفردات لا تتجاوز 500 خمس مئة أصل مشترك وأن هذه الأصول تمثل اللغة الأولى التي انشقت منها هذه الفصيلة، وتبين له من تحليل هذه الأصول أنها تدل على معاني كلية، وأنه لاتشابه مطلقاً بين أصواتها وما تدل عليه من فعل أو حالة ففي دلالتها على معاني كلية برهان قاطع على أن اللغة الإنسانية الأولى لم تكن نتيجة تواضع واتفاق لماذا؟.



الإجابة: (1)لأن التواضع يتوقف على وسيلة يتفاهم بها المتواضعون، وهذه الوسيلة لا يعقل أن تكون اللغة الصوتية، لأن المفروض أن المتواضع عليه هو أول ما نطق به الإنسان من هذه اللغة ولا يعقل أن تكون لغة الإشارة لأننا   



بصدد ألفاظ تدل على معاني كلية أي على أمور معنوية يتعذر استخدام الإشارة الحسية فيها.



(2) لأن التواضع فيه تحديد للمعاني وفي عدم وجود تشابه بين أصواتها وما تدل عليه برهان قاطع على أن اللغة الإنسانية لم تنشأ من محاكاة الإنسان لأصوات الطبيعة (أصوات التغيير الطبيعي عن الانفعالات وأصوات الحيوانات والأشياء . لماذا ؟.



والجواب:لأن الأصوات الطبيعية محدودة ولو كانت هي التي تشمل أصول اللغة الأولى لوجدنا تشابها ظاهراً بين أصواتها.



ويبني نقد النظرية على ما يأتي:



إن هذه النظرية تعتمد من البداية على أساس واه لأنها جعلت بداية اللغة أصولاً مشتركة تدل على معاني كلية، ومن الواضح أن إدراك المعاني الكلية يتوقف على درجة عقلية راقية لا يتحور وجود مثلها من البداية البسيطة بل إن هناك عملية استقراء لقبائل بداية بينت أن اللغة البدائية لهم بعيدة كل البعد عن الكليات وقريبة من المعاني المحدودة (5).



النظرية الرابعة:



تقرر أن اللغة الإنسانية نشأت من الأصوات الطبيعية (أصوات مظاهر الطبيعة وأصوات الحيوانات وأصوات الأفعال، كصوت الضرب والقطع وغير ذلك، وسارت في سبيل الرقي شيئاً فشيئاً تبعاً لارتفاع العقلية الإنسانية وتقدم الحضارة وتعدد حاجات الإنسان.



وبحسب هذه النظرية، يكون الإنسان قد افتتح هذه السبل بمحاكاة أصوات الطبيعة والمؤثرات الناتجة من الأفعال كصوت الريح وخرير الماء وحفيف الشجر وصوت سقوط الصخور وكان يقصد من هذه المحاكاة التعبير عن الشيء الذي يصدد عنه الصوت المحاكى أو عما يلازمه أو يصاحبه من حالات وشؤون، واستخدام في هذه المحاكاة ما زود به من قدرة على لفظ الأصوات المركبة ذات المقاطع.



وكانت لغته في بادئ الأمر محدودة الألفاظ الطبيعية التي أخذت عنه قاصرة عن الدلالة على المقصود، ثم اتسعت وتطورت .... وبعد أن استعرض الأستاذ الدكتور / علي عبد الواحد وافي هذه النظرية في كتابه (6) استطرد قائلاً: وهذه النظرية هي أدنى نظريات هذا البحث إلى الصحة وأقربها إلى المعقول، وأكثرها اتفاقاً مع طبيعة الأمور وسنن النشوء والارتقاء الخاضعة لها الكائنات وظواهر الطبيعة والنظم الاجتماعية. ثم يقول: ولم يقم أي دليل يقيني على صحتها، ولكن لم يقم أي دليل يقيني على خطئها، وكل ما يذكر لتأبدها لا يقطع بصحتها.



ومن أهم أدلتها أن المراحل التي تقررها بصدد اللغة الإنسانية تتفق في كثير من وجودها مع مراحل الارتقاء اللغوي عند الطفل ـ فقد ثبت أن الطفل في المرحلة السابقة لمرحلة الكلام، يلجأ في تعبيره الإرادي إلى محاكاة الأصوات الطبيعية فيحاكي الصوت قاصداً التعبير عن مصدره أو ما يتصل به ومن المقرر أن المراحل التي يجتازها الطفل في نظهر ما من مظاهر حياته تمثل المراحل التي اجتازها النوع الإنساني في هذا المظهر.



ومن أدلتها كذلك أن ما تقرره بصدد خصائص اللغة الإنسانية في مراحلها الأولى يتفق مع ما نعرفه عن خصائص اللغات في الأمم البدائية، ففي هذه اللغات تكثر المفردات التي تشبه أصواتها ما تدل عليه ولنقص هذه اللغات وسذاجتها وإبهامها وعدم كفايتها للتعبير، لا يجد المتكلمون مناصاً من الاستعانة بالإشارة اليدوية والجسمية في أثناء حديثهم لتكملة ما يفتقر إلي من عناصر وما يعوذه من دلالة ومن المقرر أن هذه الأمم لبعدها عن تيارات الحضارة  وعزلتها، تمثل إلى حد كبير النظم الإنسانية في عهودها الأولى.



بعد هذه الجولة مع نظريات نشأة اللغة نلاحظ أن النظرية الثانية والثالثة قد اعتمدتاعلى حجج واهية أو ملفقة أصبحت بمثابة معاول هدم لهما، وبقيت النظرية الأولى وهي التوفيقية الإلهامية والنظرية الرابعة وهي التطورية (من بداية محاكاة أصوات الطبيعة إلى اللغة الإنسانية الراقية) بقيتا بغير مرجع يقيني في رأي علماء اللغة.



فهل اللغة إلهامية (توفيقية) أم تطورية طبيعية؟ هذا السؤال عجز علماء اللغة حتى الآن عن الإجابة عليه فهل هناك بصيص أمل خطأنا إلى الوصول إلى إجابة عليه قاطعة لهذا السؤال المعلق؟.



أقول، وبالله التوفيق: نعم ... كيف؟ هناك ظواهر علمية تجلت للعلماء حديثاً يمكنها أن تجيب يقيناً على هذا السؤال الهام وهي كالآتي: لاحظ العالم (دافيد هيوبل) والعالم (وسل) وهم من علماء جامعة " هارفارد " أن الأطفال الذين يولدون لعتامة عدسة العين يصابون بمعمى دائم وإن لم تعالج العتامة مبكراً وقبل مرور زمن محدد بعده تصبح العين عمياء حتى لو تم إزالة العتامة(7).



وفتحت هذه الملاحظات الهامة الباب على مصارعه لأبحاث نمو (الممر العصبي البصري) من العين وحتى القشرة البصرية بمناطقها المختلفة، واستخدام العلماء القطط والقرود في كشفي أسرار لم تكن معروفة وذلك بخياطة عيون القطط وغيرها في فترات مبكرة ومتأخرة وملاحظة هندسة الممر البصري حتى داخل القشرة الابصارية، وكانت خلاصة هذه الأبحاث الهامة، أن الممرات الحسية كممر السمع والبصر ومراكزها داخل المخ (مراكز السمع والبصر) يتم بناؤه على العموم وفقاً لخطة جينيةمسبقة لكن الارتباطات الداخلية اللازمة لأداء وظائفها على أكمل وجه يلزمه التقاء المؤثرات الحسية الخارجية ـ كالأصوات والصور مثلاً ـ بالمستقبلات الحسية كالعين والأذن حتى يتم استكمال النظام الهندسي داخل مركز الحس في المخ واللازمة لعمل تلك المراكز ولا بد أن يتم هذا الالتقاء في فترة محددة بمعنى أنه لو لم يتم هذا التزاوج بين المؤثرات الحسية الخارجية (الكونية) وبين مراكز الحس في الفترة المحددة المبكرة فإن نمو المراكز سيكون، مشوهاً أو معوقاً مدى الحياة ويترتب على ذلك إعاقة أو ضمور أو تشويه تلك المراكز المحورية فلقد لاحظ العلماء أن خياطة أعين القطط مبكراً في الفترة الحرجة ثم فتحها بعد ذلك يؤدي إلى حدوث عمى نهائي لهذه القطط بينما خياطة أعينها ثم فتحها، بعد هذه الفترة الحرجة لا يؤدي إلى عمى دائم ويعود الإبصار إليها كما كان. (الفترة الحرجة في القطط هي الشهور القليلة بعد الولادة). وفي جامعة " كارل ماركس " قام العالم (دينماربيسولد) والعلم (فولكوبيجل) بتأكيدها ذلك. وخلاصة هذه الأبحاث الرائعة يمكن تلخيصها كما جاء في مجلة العلوم الأمريكية (8) فيما يأتي:



وجد العلماء أن الهريرات (القطط) التي أغلقت إحدى عينها خياطة خلال الأشهر القليلة الأولى من ولادتها تقل لديها، بشكل ملحوظ، نسبة الخلايا العصبية الموجودة في المنطقة 17 في القشرة المخية المستجيبة لتنبيه العين المغلقة وبقيت كذلك حتى بعد فتح عينها أما العين التي بقيت مفتوحة فإن المراركز الخاصة بها في المخ نمت نمواً طبيعياً، ويلاحظ العلماء أن العطب بقي ملازماً للقط حتى آخر عمره أي بقيت هذه العين عمياء حتى آخر عمر القط.



ويعتمد التأثير بشكل حاسم على توقيت الحرمان ولقد وجد (هوبل ويزل) أن الحرمان الأحادي العين أثناء البلوغ لم يغير من عضويةالمنطقة 17 فبقيت سليمة هذه الفترة بالفترة الحرجة. وكل الأبحاث النفسية أكدت أهمية المناغاة للطفل في مراحله المبكرة حتى تستقيم لغته وبيانه بل أظهرت حالات الحرمان الحسي والحركي، أو الحركة في الأطفال المبسترين والذي ربوا في ملاجئ معزولة قاحلة أظهرت تخلفاً حركياً ولغوياً وكذلك تأخر في النمو العقلي ولقد لاحظ عالم النفس (سيلز) أن الحيوان إذا استمر فترة طويلة (بعد الفترة الحرجة) فإن التخلف سيكور غير قابل للتحسن.



وأثبتت الدراسة التي قام بها العالم النفسي (واين دينيس) في أحد الملاجئ اللبنانية أن الحرمان الحركي المبكر للأطفال يؤدي إلى تخلف عقلي غير قابل للإصلاح (نهائي) إذا استمر الحرمان لفترة ما بعد الفترة الحركة التي قدرها سنتين وأكثر (بعد التقديرات).



ولأن اللغة والبيان تتأثر بنمو المخ الطبيعي من ناحية والنمو العقلي السوي من ناحية أخرى فإن علماء اللغة انتبهوا إلى هذه الظواهر العلمية وسخروها لأبحاثهم ليكشفوا بعض أسرار البيان البشري ـ فلماذا وجد العلماء، لقد وجدوا ما يأتي:



1) ـ أن الأطفال يخرجون من بطون أمهاتهم وهم مجهزون بآليات إدراك فطرية، وأنها مهيأة وإلى حدٍ كبير للتكيف مع خصائص لغة البشر التي تعدهم لعالم اللغة التي سيواجهونه مستقبلاً.



2) ـ إن هذه الآليات عامة بمعنى أنها تتعامل مع ذبذبات (ترددات صوتية) تشترك فيها جميع لغات البشر لتشكل هذه الترددات أرضية مشتركة للغات البشرية المختلفة.



3) ـ أن استقبال الطفل للغة مبكراً يبدأ بالتقاط تلك الذبذبات (الترددات) البشرية العامة وتنميتها ثم تبدأ بعد ذلك الخصصة من خلال تعامل الطفل للوسط اللغوي الذي يعيش فيه بالتركيز على لغة خاصة وتنمية ذبذبة أو ذبذبات معينة مع كمون أو ضمور الأخرى التي لم تنس(9).



بعد هذه الجولة مع تلك الحقائق العلمية يمكن أن نصل إلى النتائج التالية:



أ ـ أن مخ الطفل حديث الولادة يحتوي على مراكز للسمع والبصر جاهزة للاستخدام ولكن تحتاج إلى استكمال وظيفي يتمثل في اتصال خلاياها وفقاً لخطة وهدف محدد بمحكمة.



ب ـ أنه لكي تنمو المراكز وغيرها نمواُ سليماً يحقق وظائفها على أكمل وجه، فإنه لا بد لهذه المراكز أن تتلقى سيلاً من التنبيهات العصبية الناتجة من تأثير الأصوات والصور الخارجية على مستقبلات السمع والبصر ولا بد أن يكون هذا التلقي مبكراً في فترة حرجة وإذ لم يتم ذلك أو أعيق في تلك الفترة المبكرة فإن تعطيلاً كلياً أو جزئياً سيصيب تلك المراكز وفقاً لدرجة الإعاقة ويكون هذا الخلل نهائياً ومستديماً.



ج ـ ولأن مركز اللغة في مخ الإنسان هو المنطقة التي يصب فيها مركز السمع ومركز البصر بل إن امتدادات مركز السمع إلى الخلف ومركز البصر إلى الإمام تشكل منطقة فهم البيان وإنتاجه في المخ البشري، ولذلك فإن أي تعطيل أو تعويق لهذه المراكز يعني بالتالي تعطيل أو تعويق في إنتاج اللغة والبيان البشري.



د ـ إن جهاز اللغة أو مركز البيان في المخ البشري يحتاج لتنشيطه إلى ترددات (ذبابات) من جنس الذبابات الخاصة بالنطق البشري، ولا بد لهذه الذبذبات البشري أن تلتقي بمراكزها الحسية في المخ في فترة مبكرة ومحددة بعد الولادة وإلا لحدث تعطل كلي أو جزئي ومستقيم لملكة البيان البشري بل وقد يمتنع إنتاج اللغة المنطوقة من البداية.



وهذه الظواهر البيولوجية والفسيولوجية المؤكدة عليها تسقط النظرية التطويرةللغة وهي النظرية الرابعة وتراجع النظرية التوفيقيةأو الإلهامية للغة وهي النظرية الأولى " لأن النظرية التطويرةتعتمد على أن الإنسان من البداية كان لا يسمع إلا الأصوات الطبيعية ومعنى ذلك أن مركزا السمع والنطق في مخه ستبنىوفقاً لهذه الذبذبات (الأصوات) وسيكون هذا البناء نهائياً وعلى ذلك فستكون تلك الأصوات الطبيعية هي منطوق آدم التي سيقوم بتعليمها لأبنائه وبذلك لن تكون هناك فرصة لظهور البيان البشري المعروف. وبذلك يمكن للنظرية الأولى أن ترتفع إلى حد اليقين العلمي، وإن آدم عليه السلام لا بد وأن يكون قد تلقى تعليماً لغوياً من جنس ذبذبات اللغة البشرية مبكراً ثم استمر التلقين بعد ذلك.



وبمعنى آخر، يمكن أن نقول: أن الطفل لا بد لكي يكون ناطقاً أن يتلقى تعليمه مبكراً من أبويه، وأبواه ممن سبقهم وتسلسل إلى آدم فيكون السؤال المنطقي ـ من علم آدم؟ فلا نجد إجابة علمية يقينية إلا: )وعلم آدم الأسماء كلها (.فهيا بنا مع معجزة الوجود مع كتاب الله الخالد الوحيد الباقي المحفوظ ... به الجميع وليكون دستوراً للعالمين لمن شاء منهم أن يستقيم. هنا بنا مع القرآن الكريم لنرى كيف عرض الحق قضية تعليم الإنسان من لدن آدم.



)وعلم آدم الأسماء كلها (



جاء في الطبري: ما هي الأسماء التي علمها سبحانه لآدم؟.



هناك آراء في ذلك منها:



 (1) أسماء المخلوقات التي تحبط بالإنسان.  (2) أسماء كل شيء.



(3) أسماء الملائكة.                          (4) أسماء ذريته.



ورجع الطبري (3 + 4) مستنداً على (ثم عرضهم). وفي روح المعاني للألوسي جاء في شرح هذه الآية:



الأسماء جمع اسم وهو باعتبار الاشتقاق ما يكون علامة للشيء ودليلاً برفعه إلى الذهن من الألفاظ الموضوعة بجميع اللغات والصفات والأفعال واستعمل عرفاً في الموضوع لمعنى مفرداً كان أو مركباً أو خبراً أو رابطة بينما وكلا المعنيين محتمل، والعلم بالألفاظ المفردة والمركبة تركيباً خبرياً أو إنشائياً يستلزم العلم بالمعاني التصورية والتصديقية وقال الإمام:والمراد بالأسماء صفات الأشياء ونعوتها وخواصها لأنها علامات دالة على ماهياتها فجاز أن يعبر عنها بالأسماء، وقيل المراد بها أسماء ما كان وما سيكون وقبل اللغات وقبل أسماء الملائكة وقبل أسمائه تعالى ـ ثم يعلق الألوسي بقوله: والحق عندي ما عليه أهل الله تعالى وهو الذي يقتضيه منصب الخلافة الذي علمت وهو أنها أسماء الأشياء علوية أو سفلية جوهرية أو عرضية. ويقال لها أسماء الله تعالى عندهم باعتباره دلالتها عليه وظهوره فيها غير متقيد بها.



(كيفية التعليم):



يقول الألوسي: التعليم هو فعل يترتب عليه العلم غالباً بعد حصول ما يتوقف عليه من جهة المتعلم كاستعداده لقبول الفيض وتلقيه من جهة المعلم. وعن كيفيته بالنسبة لآدم في هذا المقال يقول:



(1) خلق فيه عليه السلام بموجب استعداده علماً ضرورياً تفصيلياً بتلك الأسماء وبمدلولاتها وبدلالتها ووجه دلالتها.



(2) بأن خلقه الله من أجزاء مختلفة وقوى متباينةمستعداً لإدراك أنواع المدركات والهمة معرفة ذوات الأشياء وأسمائها وخواصها وأصول العلم وقوانين الصناعات فيكون ما مر من المقاومة قبل خلقه عليه السلام.



(3) كان التعليم بواسطة ملك يلقنه ذلك.



(4) وقال أبو هامش بوجود لغة اصطلاحية كانت لدى آدم قبل تعليمه ومن خلال وحداتها تم تعليمه العلم الكامل.



ويقول الفخر الرازي في تفسيره:



المسألة الأولى:قال الأشقر والجبائي والكعبي أن اللغات كلها توفيقية بمعنى أن الله تعالى خلق آدم ضرورياً بتلك الألفاظ وتلك المعاني وبأن تلك الألفاظ موضوعة لتلك المعاني.



وبعد هذه الجولة مع تفسير الآية الكريمة: )علم آدم الأسماء كلها ( 



نلاحظ أن معنى الآية واضح في أن الله علم آدم ما لم يكن يعلم وفي سورة العلق تأكيد لذلك إذ يقول الحق تبارك وتعالى: )علم الإنسان ما لم يعلم (وفي سورة الرحمن إشارة أخرى للتعليم إذ يقول الحق هز وجل في محكم تنزيله )خلق الإنسان علمه البيان (.



ويقول الفخر الرازي مفسراً لمعنى البيان: البيان: المنطق فعلمه ما ينطق به ويفهم غير ما عنده وهو ميزة بشرية.



ويحتمل أن يتمسك بهذه الآية على أن اللغات توفيقيةحصل العلم بها بتعليم الله. يقول الإمام الشنقيطي في تفسيره (أضواء البيان). علمه البيان علمه الإفصاح عما في الضمير ثم يربط رحمة الله بين هذه الآية والآية في صورة النحل: )خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين (. فيقول: فالإنسان بالأمس نطفة واليوم هو في غاية البيان وضده الخصام يجادل في ربه وينكر قدرته على البعث " وأن هذه النطفة مهما نمت وكبرت وأصبحت جسداً فإنها لن تعطي بياناً بل تعطي جسداً أبكم فمن علم الإنسان من البداية البيان فأخرجه من بكمه الحتمي إلى بيانه الراقي(10).



ثم تأتي الآية (78) من سورة النحل لتشير في إعجاز مبهر إلى المراحل الزمانية لتشكيل ملكة السمع والبصر بعد ولادة الطفل: )والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون (،فالطفل يولد وله جهاز عصبي فيه مراكز السمع والبصر وغيرها، ولكن هذه المراكز تحتاج للاستكمال الوظيفي وفقاً لالتقائها بالمحسوسات الخاصة بها والمخلوقة وفقاً لها ويتم ذلك بعد ولادة الطفل ومن هذه المراكز وفيها يتكون البيان البشري وفق مراحل زمنية علمها عند خالقها العليم الحكيم.



وبعد هذه الجولة نصل إلى النتيجة التالية: أن النقل (القرآني) يشير بوضوح إلى حتمية وجود معلم لآدم من البداية والعلم العقلي اليقيني يؤكد حتمية التقاء الأصوات والصور مبكراً بأدوات حس الطفل بعد الولادة حتى يمكن أن ينشأ طفلاً متكلماً مبيناً ولا بد أن تكون هذه الأصوات من جنس ترددات الأصوات البشرية وإذ لم يحدث ذلك مبكراً لحدث تعطيل كلي أو جزئي في عملية البيان للإنسان بعد ذلك.



وتبقى مشكلة وهي: على أي حال كان تعليم آدم؟



العلم المشاهد يرجع قياساً أن تعليمه كان عن طريق التعليم وهذه فطرة فطر الله عليها جهاز البيان في مخ الإنسان المكلف بأنه يحتاج من البداية لسماع أصوات بشرية حتى تستكمل مراكزه داخل المخ فيكون أهلاً للبيان البشري والمنطق الإنساني ولو تعطل ذلك فإن الإنسان سينشأ أبكم أو معوقاً بياناً. وهذه حكمة جعلها الله في عالم الأسباب لتكون حجة للعقل أو حجة عليه حتى بتسلسل العقل مع حلقات الأسباب موقتاً أن كل إنسان يحتاج إلى معلم ملقن يسلقه فيسأل العقل: من علم آدم؟ فتكون الإجابة الوحيدة الله علم آدم.



فيكون السؤال التالي كيف علمه؟ فيكون الجواب من خلال التكليم، ولكن كيف كان التكليم؟ هذه القضية غيبية من عالم الغيب والشهادة من الله الخالق الذي قال في سورة الشورى آية (51). )وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً أو من وراء حجاب أو يرسل رسولاً فيوحي بإذنه ما يشاء إنه عليم حكيم (.



إذن العقل والنقل وملاحظة العلماء تؤكد ضرورية التلقين المبكر للغة بأصوات ذات ترددات شبيهة بلغة البشر حتى ينشأ الإنسان قادراً على البيان، كل ذلك يجعل اللغة في هيكلها أو في جذورها توقيفية، وهي مع ذلك قابلة للامتداد والشكل الحر في الزمان والمكان وفقاً لحرية الإنسان المكلف المخير ولكن تبقى اللغة في جذورها في هيكلها وأساسها توفيقيةبتعليم الله.



وقد يقول قائل: ما فائدة هذا الجهد الذي أدى إلى تلك النتيجة اليقينية في أصل اللغة؟ أرد أنه بالإضافة إلى ما سيكتسبه البيان البشري من قيمة عالية لا تشابه إلى العليم الحكم فإنه بناء على ذلك يصبح الخطاب الآلي للإنسان بديهة عقلية ويصبح الوحي حقيقة علمية لازمة من البداية (آدم) لإرساء وقاعد لغة عالمية وعلوم أساسية بل ولازمة لمسيرة الإنسان بعد ذلك وفقاً لأطوار محددة لدقة نحو هدف سام وهو الوصول إلى الكمال البشري في مراحل لا تستغني عن البداية الأولى بل تأخذ بعضها بأعناق بعض من لدن آدم.



وبناء على ذلك، فإن العقل لا يستبعد نزول رسالات من السماء مع رسل للمتابعة والتعديل ولكن العقل يسأل هل الرسول حقيقي هل هو صادق في دعواه فيدل صدقه على صدق الرسالة ومن هناك كانت الرسل تؤيد بالمعجزات الحسية وأمور أخرى مصاحبة لها تدفع العقل للتفكر في الرسالة والاقتراب منها ومن ثم تصديقها وتنفيذها حتى انتهى المطاف برسالة خالدة محفوظة تحمل معجزتها فيها رسالة تليق بكمال البشرية العقلي.



إنه القرآن الكريم ، الرسالة الخالدة المحفوظة والعالمية والتي تحمل دليلها فيها وعلى العقل أن يسأل بحرية.



1 ـ هل القرآن وحي من الله للإنسان أم هو كلا بشر؟.



2 ـ هل هو الرسالة الوحيدة الخالدة المحفوظة أم هناك غيره؟.



3 ـ هل هو محلي أو عالمي؟.



وللإجابة عن السؤال الأول على العقل أن يدرس النص وفقاً لأصول علمية محايدة.



وللإجابة عن السؤال الثاني عليه أن يدرس النص دراسة مقارنة مع غيره.



وللإجابة عن السؤال الثالث عليه أن يدرس النص وفقاً لاحتياجات الإنسان العقلية والنفسية والمادية على المستوى العالمي لنرى هل يقدم حلولاً موافقة ومقومة لهذه الاحتياجات بحيث تحقق التوازن بين روح الإنسان وماديته وبين الإنسان والمجتمع من حوله.



والدراسات العلمية المحايدة بينت أن النص القرآني لا يمكن أن يكون من تأليف بشر فهو معجز في معانيه وبيانه وينطبق ذلك حتى على مستوى الحرف فيه وهو يخالف الجانب العقلي والعاطفي في الإنسان في توازن لا يمكن أن يأتي به بشر ولو اجتمعوا عليه بل ولقد أخبر عن الغيب فصدق ومن هذه الغيوب إشارات العلوم فيه والتي اشتملت على علوم من الذرة إلى المجرة علوم لم تكن معروفة عند نزول الوحي بل ولم يكن هناك حتى دليل ولو من بعيد عنها ثم دارت الأيام فإذا أدق وسائل التقنية تصور ما جاء القرآن وتؤكد صدق أخباره عن تلك الأخبار العلمية فمن أين جاء النبي الأمي بكل هذه العلوم؟.



والدراسة المقارنة بينه وبين الكتب الأخرى بينت أنه الوحيد الخالي تمام من التناقض والاختلاف والتحريف والتصحيف المنزه للألوهية وللرسل المكرمين والمتطابق في جميع نسخه في أي زمان ومكان. والدراسة العالمية بينت أنه يغطي على جميع جوانب الإنسان العقلية والنفسية والاجتماعية ويضع الحلول العالمية لمعادة الإنسان في إطار من العدل بين أفراده وتحقيق التوازن بين الجانب المادي والروحي للإنسانية.



وهنا يقر العقل بأن كتاباً بهذه الإمكانيات ورسالة بهذه الصفة لا يمكن أن تكون من فعل بشر، بل إن العقل يصل يقيناً أنها من وحي خالق البشر العالم بأحوالهم وأسرارهم وما يصلح لهم.



تعقيب:



للبحث السابق يعد دليلاً علمياً يقينياً على حتمية التكليم للإنسان من البداية، سواء من بدايته الأولى (آدم) أو من بدايته التالية بعد الولادة، حتى ينشأ البيان البشري الراقي، والبديل الوحيد لذلك هو البكم والتخلف العقلي، وهذا بالتالي يدل أيضاً على حتمية الوحي وأنه بديهة عقلية لأنه يشكل جزءاً لا يتجزأ من كيان الإنسان الراقي وبقيت قضية الشعر الجاهلي كمرجع يقاس عليه في قضية الإعجاز البياني للوحي تحتاج لمزيد من التعليق بأن اللغة كما بين علماؤها تمر بمراحل تبدأ بالطفولة ثم بقوتها ثم تنتهي باختلاطها وضعفها وهو منحنى معروف لعلماء اللغات بل إن ذلك المنحنى ينطبق على كل الكائنات الحية.



وفي حالة تحقيق الإعجاز البياني لا بد أن يكون الإسناد إلى قمة ما وصل إليه البيان ولأن القمة لا تكون دائماً فترة خاطفة بل تكون فترة ممتدة فهي بالنسبة للعربية شملت فترة من العصر الجاهلي وفترة من العصر الإسلامي ومن هذه الفترة جمع علماء اللغة بدقة وعلم وضبط مباني ومعاني اللغة ورسموا خطوط البيان ويبينوا ذلك بدقة مراعين الأمانة العلمية حتى أصبحت أعمالهم قانوناً ومرجعاً صالحاً لكل زمان ومكان، وعلى هذا الأساس يكون القياس والإسناد.



وعلى كل حال، فالإنسان هو الإنسان في أي مكان وزمان، ويحتكم إلى عامل مشترك العقل والعاطفة، فأي نص يخاطب العقل والعاطفة في توازن يوافق خلق الإنسان دون أن يخل بكفتي الميزان (العقل والعاطفة) يجب أن يوضع على مستوى القمة لغض عن الزمان والمكان فلو خاطب النص الإنساني بطريقة تحقق توازن يعجز عن الإتيان به فهذا نص معجز بيانياً فماذا لو كان النص معجزاً بكل المقاييس البيانية والعلمية والنفسية والاقتصادية وصالح للإنسان في أي زمان ومكان .. هنا يقف العقل ليقرر يقيناً أن هذا النص لا يمكن أن يكون من اختراع بشر بل لا بد وأن يكون وحياً من خالق الكون والبشر والعالم بأسرار خلقه .. هذا يقين أهل العرفان فما حجة المبطلين.



` ` `


Admin · شوهد 5 مرة · وضع تعليق

1, 2  الصفحة التالية