يومية

نوفمبر 2007
الإثنينالثلاثاءالأربعاءالخميسالجمعةالسبتالأحد
 << <يوليو 2010> >>
   1234
567891011
12131415161718
19202122232425
2627282930  

إعلان

من على الخط؟

عضو: 0
زائر: 1

rss رخصة النشر (Syndication)

صندوق الحفظ

 

الاعجاز العلمي في القران والسنة

معاينة المقالات المرسلة في: نوفمبر 2007

24 نوفمبر 2007 

البصمة بين الاعجاز والتحدي .. القسم الثالث


3- بصمة العين :



إن بصمة العين التى اكتشفها الأطباء منذ خمس سنوات وتستخدمها الولايات المتحدة وأوروبا حاليا فى المجالات العسكرية هي أكثر دقة من بصمة أصابع اليد لأن لكل عين خصائصها فلا تتشابه مع غيرها ولو كانت لنفس الشخص. وفي المستقبل القريب سوف تُستخدم بصمة العين في مجالات متعددة من أهمها تأمين خزائن البنوك مثلما تؤمنها حاليا بالبصمة الصوتية حيث يضع عميل البنك عينيه فى جهاز متصل بكمبيوتر فإذا تطابقتا مع البصمة المحفوظة بالجهاز فتحت الخزينة المطلوبة على الفور.



وبصمة العين التى يمكن رؤيتها مكبرة 300 مرة بالجهاز الطبي "المصباح الشقي" يحددها أكثر من 50 عاملا تجعل للعين الواحدة بصمة أمامية وأخرى خلفية وباللجوء إليهما معا يستحيل التزوير.



وقد بدأت بالفعل دولة الإمارات العربية المتحدة بتطبيق مشروع بصمة العين في كافة منافذها الجوية والبرية والبحرية لتكون بذلك أول دولة في العالم تطبق هذا النظام للتعرف على هوية القادمين والمغادرين.



أ- بصمة الشبكية :



الشبكية هى : الطبقة العصبية الحساسة للعين وتكون الجزء الداخلي لجدار العين وتلى المشيمية وتبتدئ فى المكان المقابل لانتهاء الجزء المسطح من الجسم الهدبى حيث تظهر وتسمك فجأة مكونة ما يسمى بالعروة المسررة Ora Serrata وهى كما يتبين من معنى الاسم فتحة تشبه عروة الزرار، ثم تمتد إلى الخلف مسيرة لانحناء جدار العين ومغطيه طبقة المشيمية حتى القطب الخلفي Posterior Pole ، وهناك تخرج منها الألياف المكونة للعصب البصري، ويبلغ قطر رأس العصب البصري Optic Nerve Head  حوالي 1.5 مليمتر ويبعد عنه إلى الجهة الطارفة منه Temporal بحوالي 3 مليمتر المكان المسمى بالماقوله الصفراء Macula Lutea  المتخصص في الرؤية المركزية، وهو مكان خال من الأوعية الدموية يبلغ قطرة 1.5 مليمتر أبضاً، وبمنتصف هذا المكان يوجد إنخساف صغير يدعى البؤرة المركزية Fovaa Centralis  ينعكس الضوء على  جنباتها فتظهر ذات بريق أصفر، ويخترق منتصف رأس العصب البصري (حلمه العصب البصري Optic Nerve Papilla) الأوعية الدموية Vessels  المسماه الشريان الشبكي المركزي والوريد الشبكي المركزي، والشريان الشبكي يعتبر شريانا نهائياً End Artery  متفرع من الشريان العيني Ophthalmic Artery وينقسم الشريان الشبكي إلى فرعين، علوي Superior   وسفلي Inferior  ثم ينقسم كل منهما إلى فرعين : طرفي ووسطي Temporal and nassal or Lateral and Medial  











 وبذلك يكون لدينا أربعة فروع علوي طرفي Upper Temporal   وسفلي طرفي Lower Temporal ، وعلوي وسطي Upper Medial ، وسفلي وسطى Lower Medial كل منها يغذي الربع الشبكي المقابل له وذلك بمتابعة إنقسامه زوجياً حتى يصل إلى نهاية الشبكية عند العروه المسرره، ويتبع الرجوع الوريدي الشبكي نظاماً مماثلاً إلى أن تضم الفروع الوريدية الأربعة إلى وريدين علوي وسفلي ثم يتحدان في وريد شبكي مركزي واحد ينقل الرجع الوريدى إلى الأوردة العينية العلوية والسفلية Superior and inferior Ophthalmic Veins  اللذين يصبان في الصيان الكهيفي Cavernous Sinus  على جانبي الحفرة النخامية Pitutary Fossa .



ويرى الناظر والمدقق لمسار الأوعية الدموية بالشبكية أنها تختلف من شخص لآخر فى شكلها ومكانها وفى تفرعاتها الأربعة وكذلك تفرعاتها الثانوية، وليس ذلك فحسب بل تختلف أيضاً فى نفس الشخص، فمسار الأوعية الدموية للشبكية فى العين اليمنى تختلف عن العين اليسرى، هذا فى العين الطبيعية ... ناهيك عن أن كل عين تختلف عن الأخرى من حيث حجمها وقوة إبصارها وهذا أيضاً يوسع دائرة الاختلاف بين العينين، فهذه عين حجمها صغير مصابة بطول نظر وتلك عين حجمها كبير مصابة بقصر نظر ... وهذا ذكر وتلك أنثى، وهذا صغير وذاك كبير ... الخ. وبالمثال يتضح المقال، فهذه صورة لشبكية عين طبيعية، يبدو فيها مسار الأوعية الدموية المركزية للشبكية.






وهذه أمثلة أخرى لمجموعة من الأشخاص الطبيعيين يظهر بكل مثال صورة لشبكية العين اليمنى وأخرى للعين اليسرى. ويرى المدقق والملاحظ لهذه الصورة عدم تطابق بل استحالة وجود صورتين متطابقتين تماماً ... فليس هناك مجال للصدفة أو التشابه.















ب- بصمة القزحية (3) : 



وداعاً لبصمة الإبهام ... مرحباً بالقزحية :



لقد اجتذبت العيون عالم الحاسوب "جون دوجمان" من جامعة كمبردج البريطانية، فاستجاب لسحرها ولكن بطريقته الخاصة مستخدماً آلة ساحرة "أيضاً هي الحاسوب لكشف أسرار العيون ولايفل السحر إلا السحر‍ .



وقد اعتمد "دوجمان" على حقيقة تشريحية تقول أن القزحية الجزء الملون فى العين والذي يتحكم فى كمية الضوء النافذة من خلال البؤبؤ أو إنسان العين – تتركب من نسيجين عضليين وتجمعات من ألياف مرنة وأن هذه الألياف تتخذ هيئتها النهائية فى المرحلة الجينية ولا تتبدل بعد الميلاد.



واستخدم "دوجمان" آلة تصوير تعمل بالأشعة تحت الحمراء، صور بها توزيع هذه الألياف العضلية ثم عالج الصور المتحصل عليها ببرنامج الحاسوب وحول الصور بيانات رقمية (وهذه الآلة تختلف عن الجهاز الذى يستخدمه أطباء العيون فى الكشف على العين).



وأجرى "دوجمان" 30 مليون عملية مقارنة بين صفات قزحيات العيون التى صورها مترجمة إلى بيانات رقمية فلم يعثر على قزحتين متطابقتين.



الأكثر من ذلك أن عدم التطابق ينسحب على العينين اليمنى واليسرى لنفس الشخص، والأهم والمثير للعجب – أن نظام توزيع الألياف فى القزحية يختلف بين التوائم، وهذا يعنى أن طريقة دوجمان توفر لنا وسيلة أكثر دقة حتى من الحمض الوراثى (D. N. A.) ناهيك عن بصمات الأصابع فى التحقق من شخصيات الأفراد ويرفع من قيمة الوسيلة أن البرنامج الحاسوبى الخاص بها يمكنه مراجعة صفات مائة ألف (بصمة قزحية) فى ثانية واحدة.



 بصمة الانحراف الجنسي فى العين (4) :



هناك مرض يصيب العين وله علاقة تكشفه ويسمى "أفر نجى العصب الثالث" أو (زهري العصب الثالث) وفى هذه الحالة تبقى حدقة العين بشكل نقطة صغيرة وتمنع التفاعل مع النور في القرب أو البعد.



ويقول الأطباء : إن هذا الموضوع من نواتج الزنا والحوادث الجنسية المشبوهة حيث تتسبب بشكل مباشر فى نقل هذا المرض، وكأن تضيق الحدقة يعتبر بصمة الانحراف على عينيه ؟ أو هي ضيق الرؤية أمام ناظريه كعلامة لضعف البصيرة.



كما يلاحظ بعض العلامات الخاصة على الإفرنجي الولادى Congenital Syphilis  والخاصة بالعين من أمثال كثافة القرنية حيث لا يستطيع الرؤية وكأنها التعبير العضوي عن عمى البصيرة الذي حمله المجرم الأول أعلنت عنه العضوية في صورة الجنين.



وكما أن الموت يبطل فعاليات التوازن جميعها فتتسع الحدقة. ولا تستجيب فإن هذا المرض يضيق الحدقة فيمنعها من التوازن والاتساع وعدم الاستجابة للنور فاستجابة العين للتوازن والنور والرؤية دليل على صلاحيتها، أما بقاؤها ضيقة أو اتساعها على الدوام فهذا علامة إما على الموت أو على المرض.

























4-  بصمة العرق : (5)



لكل إنسان بصمة لرائحته المميزة التي يتفرد بها وحده دون سائر البشر في أجمعين، والآيات تدل على ذلك قال تعالى "اذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَـذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ {93} وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ" سورة يوسف آية (93، 94). ففي هاتان الآيتان تأكيداً لبصمة رائحة سيدنا يوسف عليه السلام والتي تميزه عن كل البشر فقد عرف الابن ابنه من رائحة عرقه على القميص، ونظراً لزيادة الإجرام والمجرمين وتطور طرق القتل والسرقة والاغتصاب في عصرنا الحاضر، نجد عدداً من العلماء يتابعون البحث عن وسائل أخرى تساعد القضاء الجنائي في إثبات الجريمة على مقترفيها دون أن يمكنه التهرب من قبضة العدالة مهما حاول تضليلها، وخاصة أن مكافحة الإجرام أصبحت علماً له رواده ومفكروه ووسائله المتطورة جداً، كما أن القتل يعد مشكلة علمية، وقد أدى البحث لبعض العلماء إلى اكتشاف عدة سمات سواء للإنسان أو الحيوان، فكانت بصمة العرق التي أشار إليها القرآن الكريم.






واليوم يستخدم جهاز قياس الرائحة وتسجيل مميزاتها بأشكال متباينة ومخططات علمية لكل شخص، وهى تعتمد على أن لكل شخص رائحته الخاصة التى لا تتفق مع غيره والتى تبقى مكانه حتى بعد مغادرته لهذا المكان، وعليها قامت فكرة "الكلاب البوليسية المدربة" فالكلب المدرب يستطيع أن يميز بين رائحة توأمين متطابقين تماماً.



يقول الدكتور اندرو  درافنيكس Andrew Drafinx - من معهد شيكاغو التكنولوجى والذي عمل على تطويرها: ومع أنها مازالت بطور الاختبار فإنها لاقت اهتماماً كبيراً من الأوساط المعنية".



وتعتمد الطريقة المذكورة على جهاز لقياس (الرائحة) وتسجيل مميزاتها بشكل مخططات فريدة بالنسبة لكل شخص.



وظهر أيضاً فى السنوات الأخيرة طريقة جديدة لإثبات الشخصية وهى من ابتكار



(ل، ج، كيرستا) L. G. Kersta   أحد مهندسي مختبرات شركة بيل للهواتف فى الولايات المتحدة، ولقد وجد هذا المهندس أن جميع الترددات التى تنجم عن نطق مقطع واحد تعطى صورة طيفية Spectrogram أو صوتية Sonogram تبدو كميزة فريدة للشخص، وبذلك يمكن التعرف على الأصوات بهذه الطريقة بقدر كبير من الثقة، وأبعد من ذلك كله فإن تحليل (طيف الحمض الأمينى) فى المادة العرقية نفسها يكشف عن نواحي نوعية تتعلق بالشخص الواحد



ويقول البورفيسور (وولتر نيوهاوس) من جامعة "ايرلانجن" بألمانيا : إن كل خطوة قدم عارية لإنسان بالغ تترك على الأرض كمية من العرق تقدر بحوالى أربعة أجزاء من بليون جزء من الجرام، ورغم ضآلتها وعجز أية وسيلة متاحة لاكتشافها إلا أنها كافية لأنف الكلب المدرب لتتبع مسارها.



5-  بصمة الصوت :



يحدث الصوت في الإنسان نتيجة اهتزاز الأوتار الصوتية في الحنجرة بفعل هواء الزفير بمساعدة العضلات المجاورة التي تحيط بها 9 غضاريف صغيرة تشترك جميعها مع الشفاه واللسان والحنجرة لتخرج نبرة صوتية تميز الإنسان عن غيره، وفي الآية الكريمة : (حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ)- النمل: آيه 18.



فقد جعل الله بصمة لصوت سيدنا سليمان جعلت النملة تتعرف عليه وتميزه، كذلك جعل الله لكل إنسان نبرة أو بصمة صوته المميزة.



والأصوات كالبصمات لا تتطابق فكل منا يولد بصوت فريد مختلف عن الأخر، والأغرب من ذلك أن التوائم على الرغم من تطابقهم في كل شئ ليس فقط الصعيد المادي المحسوس، ولكن أيضاً في الشكل والطول ولون الشعر والعينين والصعيد المعنوي أيضاً إلا أنه تختلف أصواتهم.



هناك قصة شهيرة لتوأمين أمريكيين انفصلا بعد ولادتهما عن بعضهما لتتولى تربيتهما عائلتان مختلفتان وفى ولايتين أيضاً تبعد الأولى عن الثانية عدة أميال، وبعد عمر طويل تلاقيا ليكتشفا أن كلاً منهما مر بنفس الظروف النفسية واتخذ نفس المهنة وتزوجا فتاتين تحملان نفس الاسم.



ومن المدهش أنه على الرغم من التشابه الكبير إلا أن لكل منهما صوتاً مختلفاً يميزه عن الآخر.  إنه إعجاز رباني يفوق تخيل العقل البشرى المحدود.



الصوت والكشف عن الجريمة :



وقد استغل البحث الجنائي هذه البصمة في تحقيق شخصية الإنسان المعين، حيث يمكنهم تحديد المتحدث حتى ولو نطق بكلمة واحدة ويتم ذلك بتحويل رنين صوته إلى ذبذبات مرئية بواسطة جهاز تحليل الصوت "الإسبكتروجراف"، وتستخدمها الآن البنوك في أوروبا حيث يخصص لبعض العملاء خزائن، هذه الخزائن لا تفتح إلا ببصمة الصوت.



 



لذلك بدأت أجهزة الشرطة في الاستفادة بذبذبات الصوت للكشف عن المجرمين وخاصة فى حالات البلاغات المجهولة التي تتم عن طريق الهاتف، ويتم ذلك عن طريق رسم بياني للصوت يحدد ثلاثة أبعاد : (الوقت – القوة – الذبذبات) كما أنه يوجد مدى صوتى مثلما يوجد مدى حيوي، فإذا حدث وفتح باب مطعم مثلاً نجد جميع الحاضرين وعلى الطاولات المختلفة يخفضون أصواتهم بطريقة أتوماتيكية.



ويؤكد مهندسو اتصالات فلسطينيون أن (بصمة الصوت) هي السبب  في نجاح سياسة الاغتيالات الاسرائلية للناشطين من الفلسطينيين في الفترة الأخيرة حيث يستطيعون عن طريق الحصول على بصمة صوت الشخص المطلوب تحديد من يتحدث معهم ويتحدثون معه وكذلك تحديد موقعه وبالتالي تسهل عليهم مهمة اغتياله.



6- بصمة الشفاة :



    كما أودع الله بالشفاه سر الجمال أودع فيها كذلك بصمة صاحبها، ونقصد بالبصمة هنا تلك العضلات القرمزية التي كثيرًا ما تغنَّى بها الشعراء وشبهها الأدباء بثمار الكريز، وقد ثبت أن بصمة الشفاه صفة مميزة لدرجة أنه لا يتفق فيها اثنان في العالم، وتؤخذ بصمة الشفاه بواسطة جهاز به حبر غير مرئي حيث يضغط بالجهاز على شفاه الشخص بعد أن يوضع عليها ورقة من النوع الحساس فتطبع عليها بصمة الشفاه، وقد بلغت الدقة في هذا الخصوص إلى إمكانية أخذ بصمة الشفاه حتى من على عقب السيجارة.






7- بصمة المخ :



ابتكر "لورانس فارويل" تقنية جديدة تعرف باسم" بصمة المخ" يمكن أن يتحدد من خلالها مدى علم المشتبه به بالجريمة مما يمكن المحققين من التعرف على مرتكبي الجرائم. وتعمل تقنية فارويل الجديدة بقياس وتحليل طبيعة النشاط الكهربائي للمخ في أقل من الثانية لدى مواجهة صاحبه بشيء على علم به. وعلى سبيل المثال إذا ما عرض على قاتل جسم من موقع الجريمة التي ارتكبها لا يعرفه سواه يسجل المخ على الفور تعرفه عليه بطريقة لا إرادية. وتسجل التقنية ردود أفعال المخ بواسطة أقطاب كهربية متصلة بالرأس ترصد نشاط المخ كموجات. أما الشخص الذي لم يكن في موقع الجريمة فلن يظهر على مخه أي رد فعل.



8- بصمة الأذن



يولد كل إنسان وينمو حاملاً بصمة أذنه المميزة والتي لا تتغير منذ ولادته وحتى مماته ولا تتشابه بين شخصين على ظهر الأرض، وتهتم بعض الدول بدراسة هذه البصمة وقد تكشف لنا السنوات القليلة القادمة عن تقنيات جديدة لاستخدامها في علم الجريمة واقتفاء الأثر في ظل هذا التطور العلمي المذهل.



 



خاتمــــــة



إن الإنسان كله بصمات، فبصماته توجد فى اليد والقدم والشفتين والأذنين والدم واللعاب والشعر والعيون ... وغيرها .



وتخدم البصمات في إظهار هوية الشخص الحقيقية بالرغم من الإنكار الشخصي أو افتراض الأسماء، أو حتى تغير الهيئة الشخصية من خلال تقدم العمر أو المرض أو العمليات الجراحية أو الحوادث".



كذلك يمكن اقتفاء أثر الإنسان من مشيه وخطواته، أو أياديه وأصابعه، أو حتى أحياناً في رائحته الخاصة التي تتعرف عليها الكلاب البوليسية، والسؤال هنا كيف يتم تفرد الإنسان حتى رائحته الخاصة بحيث يميز الكلب البوليسي بين رائحة إنسان وآخر، بل وحتى يطبع الإنسان مكان وجوده وبعد تركه له برائحته الخاصة الثابتة التي لا تتغير ؟!! قد نفهم أو يقترب إلينا الفهم عندما يتحدث القرآن عن نطق من نوع غير النطق المعروف.



"لْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ"



فالنطق أنواع فقد يكون بالبيان المبين، أو شهادة الجلد، أو أثر البصمة أو رائحة الجلد ...



لقد كانت البصمة ولا تزال سراً من أسرار عظمة الله عز وجل فى خلقه ليثبت قوله



"صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ"  (سورة النحل 88)



فما أعظمها من آية تؤكد قدرة الخالق !


Admin · شوهد 9 مرة · وضع تعليق
24 نوفمبر 2007 

النوم كظاهرة حيوية بين القرآن والسنة


يقول الحق ـ تبارك وتعالى ـ في كتابه الحكيم: )ومن آياته منامكم بالليل ([سورة الروم: 23].فالنوم آية من آيات الله في خلقه، وصفة أساسية من صفات الإنسان، وضرورة من ضرورات حياته، فكل إنسان ينام، لا يشذ عن ذلك أحد حتى الأنبياء والرسل، لا يستطيع الإنسان أن يمتنع عن النوم إلا في حدود زمنية محدودة لا يستطيع بعدها المقاومة، فيسقط نائماً مهما كانت المؤثرات من حوله، ولحكمت ما كانت إحدى المعجزات التي أخبرنا بها القرآن الكريم هي نوم الفتية الذين آمنوا بربهم في الكهف ثلاث مئة سنين )ولبثوا في كهفهم ثلاث مئة سنين وازدادوا تسعاً ([سورة الكهف: 25].في حين أنه لم تصل إلينا أخبار عن أي معجزة كان أساسها عدم النوم، فالنوم هو السكن والراحة بعد التعب والعناء )الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصراً ([سورة غافر: 61].وهو الهدوء والأمن والطمأنينة أياً كانت مدته )إذ يغشيكم النعاس أمنةً منه ([سورة الأنفال: 11].



ويدعونا ـ سبحانه وتعالى ـ إلى التفكير في أهمية تلك الدورة الحيوية اليومية التي تشمل الأرض ومن عليها، وذلك في آيات القرآن الكريم )وجعلنا نومكم سباتاً. وجعلنا الليل لباساً. وجعلنا النهار معاشاً ([سورة النبأ: 9 ـ 11]. )قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمداً إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون. قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمداً إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون ([سورة القصص: 71 ـ 72].إذ لا بد من ليل ينام فيه الإنسان، وتهدأ فيه أعضاؤه وترتاح أجهزته، ويسكن جسده كله في سبات يستعيد فيه نشاطه وحيويته ومقدرته على السعي والعمل والكد من جديد في نهاره التالي، وهكذا يتعاقب النوم مع اليقظة بصورة دورية تستمر طول حياة الإنسان، ويصاحب كلاً من حالتي النوم واليقظة علامات جسدية وعضوية هي الأساس لما تم اكتشافه حديثاً بعد ذلك فيما أطلق عليه لقب الدورة البيولوجية للجسم، وذلك بعد قرون عديدة من إشارة القرآن الكريم لذلك )والليل إذا يغشى. والنهار إذا تجلى ([سورة الليل: 1 ـ 2].فالليل سكن وغشاء، والنوم سكينة وهدوء وأمن، يغشى الإنسان عينيه وتقل حدة سمعه فكأن على سمعه وبصره غشاء، وحجاب يمنع استقبال المؤثرات العادية من صوت وضوء، حتى لو أبعدنا جفنيه أحدهما عن الآخر، فلن يرى بعينيه المفتوحتين وهو نائم، وتهدأ أعضاء النائم وأجهزته، فترتخي عضلاته الإرادية، ويهدأ القلب فيبطىء النبض، وينخفض مستوى ضغط الدم الشرياني، وتهدأ الدورة الدموية، ويهدأ التنفس ويبطىء وينظم، وينخفض استهلاك الأعضاء والأنسجة للأكسجين والمواد الغذائية الأخرى، ويقل نشاط معظم الغدد، ويهدأ الجهاز العصبي، وتستمر حالة السكون هذه إلى أن يحين موعد الاستيقاظ فتنشط أجهزة الجسم تباعاً، وتزداد حيوية الأعضاء والأنسجة تلقائياً، وتعود الحواس إلى حالتها الطبيعية والعضلات على حركاتها الإرادية، ليبدأ الجسم مرحلة جديدة من النشاط، ويكمل دورته البيولوجية اليومية إلى آخر النهار، ليعود بعد ذلك عند حلول الظلام فيغلبه النوم، وتتكرر الدورة من جديد فيما هو عليه العلماء ( النظام اليومي ) (Circadian rhythm)






مخطط بياني يبين نشاط الدماغ طوال فترة 24 ساعة نلاحظ كيف ينخفض نشاط الدماغ بعد الظهر لذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم  بالقيلولة لاستعادة النشاط



والإنسان حين ينام فإنه يمر بما يمكن تسميتها بمراحل أو مستويات مختلفة للنوم، فهو يمر تدريجياً من حالة اليقظة الكاملة إلى حالة فقدان الإحساس بما حوله، ويزداد النوم عمقاً مروراً بمستويات مختلفة حتى يصل إلى أعمق مستويات النوم حيث هدوء الأعضاء وسكون الجسد في أقصى درجاته، وتصبح استجابات الجسم الغريزية للمؤثرات الخارجية أقل ما يمكن أو معدومة )وجعلنا نومكم سباتاً (، فهو السبات أو النوم العميق، حيث ينفصل الإنسان تماماً عما حوله من مؤثرات ضوئية أو ميكانيكية أو فيزيائية أخرى، إلا أنه بتتبع نشاط الدماغ الكهربائي أثناء النوم وربط ذلك بالمشاهدات الخاصة بسرعة النبض وسرعة التنفس وبعض الملاحظات الأخرى، وجد أن هناك فترات تعتري النائم حيث يزداد خلالها نشاط الدماغ الكهربائي ويسرع النبض، ويسرع التنفس، وتبدأ العينان المغمضتان في الحركة السريعة في الاتجاهات المختلفة، حتى أنهم أطلقوا عليها ( مرحلة الحركة السريعة للعينين Rapid eye movement rem phase) وتستمر تلك  النوبات لفترات قصيرة يعود بعدها الدماغ وباقي الأعضاء إلى حالة السكون والهدوء، وقد لاحظ العلماء أن تلك النوبات لها علاقة بحدوث الأحلام أثناء النوم، حيث تؤدي إلى تلك الأنشطة التي يمكن ملاحظتها على النائم.



وأثناء النوم فإن الإنسان لا يستقر عادة على وضع واحد لفترة طويلة، وإنما يتقلب ذات اليمين وذات لشمال، ويحرك أطرافه ماداً ساقيه، أو ضاماً لأحدهما أو كليهما وكذلك ذراعاه، وهذه الحركات التي تحدث أثناء النوم حركات غير إرادية، وتختلف في نوعيتها وتكرارها وكمية حدوثها من شخص لآخر، ومن وقت لآخر لنفس الشخص، وكلما كان النوم عميقاً قلت حركات الجسم بينما يزداد حدوثها إذا كان مصاباً ببعض الأمراض العضوية مثل أمراض القلب والرئتين، وتتوقف حركات النائم تماماً أثناء مرحلة الحركة السريعة للعينين.



أنواع النوم:



يقول الحق ـ تبارك وتعالى ـ )الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذ سنة ولا نوم ([سورة البقرة: 255].وهكذا يفرق ـ سبحانه وتعالى ـ بين السنة وبين النوم، فأما السنة: فهي ما يعتري الإنسان للحظة وجيزة من غياب عن الواقع المحسوس حوله، ولكنه يعود لوعيه الكامل بسرعة دون أن يستغرق في النوم، وأحياناً يحدث ذلك وهو جالس أو واقف على قدميه دون أن يسقط على الأرض، وهي لحظة قصيرة جداً لا مجال خلالها لحدوث أحلام أو لما يحدث أثناء النوم من تغيرات في أنشطة أعضاء الجسم وأجهزته مما سبقت الإشارة إليه.



أما النوم فقد ذكر في القرآن الكريم بأكثر من اسم لكل منها دلالته وإيحاءاته الخاصة؛ حيث يشمل كل ما هو نوم، ولا يشمل ( السنة ) فهناك ( النعاس ) )إذ يغشيكم النعاس أمنة منه ([الأنفال: 11].وهو النوم غير العميق والذي لا تعكر صفوه أحلام أو رؤى، وهناك ( السبات ) وهو النوم العميق الذي يقارب الغيبوبة، ثم هناك ( المنام ) )إذ يريكهم الله في منامك قليلاً ([الأنفال: 43].وكذلك )فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى ([سورة الصافات: 102].وهو الجزء من النوم، أو النوم الذي تظهر خلاله الرؤى والأحلام، ويتم فيه استقبال الوحي بالأمر من الله.



أما الرقاد فقد أطلق على حالتين:



الأولى: حالة الفتية الذين أووا إلى الكهف،حيث يقول عنهم الحق تبارك وتعالى: )وتحسبهم أيقاظاً وهم رقود ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد ([الكهف: 18].



والثانية: هي وصف لحال البشر بعد موتهمحيث يقول الحق سبحانه: )ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون. قالوا: يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ([يس: 51 ـ 52].فهي وصف لحالة الجسد النائم ووضعه الممدد على الأرض، ولكن رقود الفتية في الكهف يختلف عن رقود الموتى في الأجداث، فالكهف مرقد للنائمين، والأجداث مرقد للموتى لا حراك فيهم؛ ولذلك تبرز الحركة الموحية للفتية الرقود في الكهف كآية من آيات الله لها دلائلها القيمة )ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال (فالنائم لفترة طويلة أو الراقد دون حركة يضغط كله من أماكن محدودة لا تتغير من جسمه وبصفة مستمرة طالما أنه لا يتحرك، مما يسبب في النهاية تلفاً لذلك الجزء من الجسم نتيجة الضغط (pressure atrophy)وتقرحات الفرش (bed sores)وبالإضافة إلى ذلك فإن علم تحريك الأطراف لفترات طويلة ـ عدة أيام أو أكثر ـ وما يصاحبه من بطء في حركة سريان الدم في الأوعية الدموية في أطراف الجسم وهو ما يعرف بالركود الدموي (Haemostasis)يؤدي إلى زيادة القابلية لتجلط الدم وتخثره في الأوعية الدموية مما يؤدي إلى انسدادها (Intravascular Thrombosis).



كما أن الرقاد لفترات أطول دون حركة يؤدي إلى ضمور عضلات الجسم الإرادية، وإلى نقص كمية الكالسيوم في العظام مع ترسب أملاح في الكليتين مما يؤدي إلى فسادها، وهذه الأمور من المكتشفات الطبية الحديثة ذات الأهمية العلاجية الكبرى، وذلك بالنسبة للمرضى الذين تستلزم حالتهم المرضية ملازمة الفراش، أو المصابين بالغيبوبة لفترات طويلة حيث أصبح من التدابير الطبية الأساسية تقليب هؤلاء المرضى في الفراش كل بضع ساعات بالإضافة إلى تدليك عضلاتهم وتحريك أطرافهم سلبياً وإيجابياً بصفة منتظمة طوال فترة ملازمتهم للفراش تجنباً لحدوث هذه المضاعفات الخطيرة.



بعض ما يراه النائم:



إن ما يراه النائم من رؤى وأحلام هو من الحقائق التي لا ينكرها أحد، إذ أنها مما يراه الناس كلهم صغيرهم وكبيرهم، حتى أنه يمكننا أن نقول بأنها من خصائص الإنسان والصفات الملازمة له، والرؤى والأحلام ما زالت من التحديات التي يواجهها العلماء والأطباء في كل مكان، النائم مغمض العينين ولكنه يرى ويميز الألوان ويحدد التفاصيل ويفرق بين الصغير والكبير والبعيد والقريب، سمعه معطل عما حوله في دنيا المحسوسات، فلا يستطيع أن يسمع من يتحدثون حوله في نفس الغرفة، ولكنه يسمع أشياء لا يسمعها من حوله ولا يسمعها غيره، ويعي ما يسمعه ويفكر فيه ويبقى في ذاكرته حتى بعد أن يستيقظ من نومه، غائب من عالمنا المحسوس لا يدرك ما يدور حوله، ولا يشعر بحواسه المختلفة إلا أنه في عالم آخر، يتكلم دون أن يحرك لسانه أو شفتيه، ويشعر بالألم دون أن يمس جلده شيء، ويجري دون أن يحرك ساقيه، ويفكر ويناقش ويجادل، ويضحك ويبكي ويصرخ دون أن يسمع صوته أحد، أو يشعر بما يحدث له غيره، ويستيقظ من نومه فيجد ما كان يراه في نومه محفوراً في ذاكرته كأنه كان واقعاً محسوساً ملموساً.



ويتابع العلماء بأجهزتهم ومراقبتهم الشخصية ما يحدث أثناء النوم فلا ينتهون إلى شيء غير تسجيل بعض التغيير في النشاط الكهربي للدماغ، وبعض التغيرات في نبض النائم وتنفسه وبعض عضلاته، وغير ذلك مما لا يعطي أدنى فكرة عن طبيعة ما يراه النائم أو أسبابه، ويستمر التحدي، ولا يبقى لنا غير العودة إلى قول الحق تبارك وتعالى خالق الإنسان وخالق ما يراه الإنسان، ويبقى قول الحق تبارك وتعالى: )ولنعلمه من تأويل الأحاديث ([سورة يوسف: 21].وتتكرر الأحاديث في قصة يوسف عليه السلام، حيث تدور السورة كلها حول محور رئيسي هو ما رآه يوسف عليه السلام، وما رآه غيره، ومقدرة يوسف عليه السلام على تأويل تلك الرؤى التي كانت كلها ترمز إلى غيب مستقبل تحقق بإذن الله بالشكل الذي أولها عليه يوسف عليه السلام فهذا يوسف الصغير يحكي لأبيه ما رآه )إني رأيت أحد عشر كوكباً والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين ([سورة يوسف: 4].فيدرك أبوه معنى ذلك، فيبشره ويحذره في نفس الوقت من إخبار إخوته بما رأى، وتمر السنوات الطويلة لتتحقق الرؤيا الصادقة )    ورفع أبويه على العرش وخروا له سجداً وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقاً ([سورة يوسف].ثم ها هما صاحبا السجن )قال أحدهما إني أراني أعصر خمراً. وقال الآخر: إني أراني أحمل فوق رأسي خبزاً تأكل الطير منه نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين ([سورة يوسف: 36].



ويتحقق تأويل يوسف ـ عليه السلام ـ لذلك بحذافيره )يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمراً وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه قضي الأمر الذي فيه تستفتيان ([سورة يوسف: 41]. ها نحن نرى الذي رأى أنه يسقي ربه خمراً حضر الملك حين قص الملك رؤياه على من حوله قائلاً: )إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات يا أيها الملأ أفتوني في رؤياي عن كنتم للرؤيا تعبرون ([سورة يوسف: 43]. فما كان ردهم عليه إلا أن )قالوا: أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين ([سورة يوسف: 44]. لكن: )وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون([سورة يوسف: 45].



وهكذا عاد إلى يوسف ـ عليه السلام ـ الذي قام بتأويل رؤيا الملك وزاد عليها فكان إخباراً بغيب سيتحقق بأمر الله في المستقبل القريب، وقد كان، كما قالت السيدة عائشة أم المؤمنين ـ رضي الله عنها ـ وها هو الرسول صلى الله عليه وسلم يؤول رؤيا رآها قبل غزوة أحد حيث قال للمسلمين: ( إني قد رأيت والله خيراً، رأيت بقراً تذبح لي، ورأيت في ذباب سيفي ثلماً، ورأيت أني أدخل يدي في درع حصينة، فأما البقر فأولتها ناساً من أصحابي يقتلون، وأما الثلم الذي رأيت في ذباب سيفي فهو رجل من أهل بيتي يقتل، أما الدرع فأولتها المدينة ).



وهكذا تحمل كل رؤيا مما استعرضنا إنباء بغيب يحدث بعد ذلك، غير أنها لا تأتي صريحة ولكنها تأتي بشكل رمزي معبر يستطيع تأويله من يعلمه الله ويعطيه القدرة على التأويل، وحين يعبر القرآن الكريم عنها بأنها ( أحاديث ) فمعنى ذلك: أن مرسل تلك الأحاديث عالم بالغيب وبما سيحدث مستقبلاً، وقادر على أن يخص بالحديث شخصاً واحداً وأن يضع له الأحاديث بأي شكل، وقادر على أن يجعله يتلقى الأحاديث بشكلها المرسلة به، وهذه هي الرؤيا الصادقة من الله تعالى، وبالطبع فإن استقبال النائم يختلف تماماً عن استقبال المستيقظ؛ إذ أن حواسه بشكلها المعروف لدينا تكون معطلة تماماً، ولكن لديه جهاز استقبال خاص ينشط أثناء النوم ويتلقى ما تعجز عن تلقيه الحواس، ويقوم بتسجيل ما يستقبله في ذاكرة النائم فلا ينساها حتى بعد أن يستيقظ، هذا الجهاز مبرمج لاستقبال أحاديث لا يتلقاها غيره، فالنائمون حتى لو كانوا في مكان واحد فإنهم لا يرون نفس الرؤيا بحال من الأحوال، ولأن الاستقبال يميز كل إنسان عن غيره فإنه كذلك يستقبل ما يأتي إليه من أوامر قد تكون وحياً أو غير ذلك، فهذا إبراهيم خليل الرحمن ـ عليه الصلاة والسلام ـ يقول لابنه: )يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين( فهو أمر من الله يتلقاه جهاز الاستقبال أثناء النوم فيعيه، ويدرك سيدنا إبراهيم ـ عليه الصلاة والسلام ـ أن ذلك حق ووحي من الله فيسرع بالتنفيذ.



ومن أشهر ما يرويه التاريخ قصة إعادة حفر بئر زمزم على يد جد الرسول صلى الله عليه وسلم حيث جاءه الأمر بحفرها وهو نائم، وحدد له الهاتف مكانها بدقة، وذلك أنه أتاه آت في منامه فقال له: احفر طيبة، ثم جاءه الليلة التالية وقال له: احفر برة، ثم جاءه الليلة التالية فقال له: احفر المضنونة، ثم جاءه الليلة التالية فقال له: احفر زمزم، فقال له: وما زمزم؟ فقال: لا تنزف أبداً ولا تزم، تسقي الحجيج الأعظم، وهي بين الفرث والدم، عند نقرة الغراب الأعصم، عند قرية النمل.



إن ما يراه الإنسان النائم ـ مؤمناً أو غير مؤمن ـ من مرائي وما يأتيه من أخبار وأوامر تعتبر من الألغاز القديمة والتحديات الباقية للعقل البشري، ولكل ما أوتي الإنسان من وسائل المعرفة والبحث، وصدق الله العظيم )وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً ([سورة الإسراء: 85].عجز العلماء، ووقف الفلاسفة حائرين، وأسسوا الجمعيات المختلفة التي تبحث فيما وراء إدراك الحواس، ومن أشهرها وأقدمها جمعية المباحث الروحية بلندن في إنجلترا، والتي تأسست عام 1882 ميلادية، وكثير من معاهد البارابسيكولوجي (parapsychology)في أمريكا وفي أوروبا، حيث اختاروا ذلك اللفظ المركب للتعبير عن نوعية الدراسات في تلك المعاهد، فقد قاموا بدراسة ما أطلقوا عليه ( ظواهر انتقال الفكر أو الاتصال الفكري على البعد Telepathy)والاستشفاف أو الجلاء البصري، أي: الإحساس بالحوادث التي تحدث على مسافات بعيدة، وأطلقوا لقب: الإدراك خارج الحواس على هاتين الظاهرتين.



الروح والمنام:



يقول الحق ـ تبارك وتعالى ـ في كتابه الحكيم: )الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ([سورة الزمر: 42].وبذلك يبين لنا سبحانه وتعالى ثلاث حالات للنفس أو الروح، وهي: التوقي، والإمساك، والإرسال، ففي المنام وحين الموت يتوفى الله الأنفس، فإن كان موتاً أمسكت النفس فلا تعود لجسدها، وإن كان مناماً أرسلت ثانية إلى أن يحين أجلها، أي: الموت. ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم لصحابته حين ناموا ففاتتهم الصلاة: (إن الله قبض أرواحكم حيث شاء وردها حيث شاء) (أخرجه البخاري [1/154]) وهكذا نرى أن صلة الروح بالجسد أثناء المنام تختلف تماماً عن حالة اليقظة، فالله يتوفى الروح أو يقبضها في المنام وبذلك تتحرر الروح وتخرج من قيود الجسد التي تحد من قدرتها وإمكانيتها لتدخل حالة التوفي وهي حالة خاصة يظهر فيها من وقت لآخر ما لتلك الروح من قدرات يختفي معها حاجز الزمن وحاجز المكان، فهي تستطيع أن تستقبل ما لا يدركه الإنسان بحواسه المعروفة ضيقة المدى وإدراكه المحدود بإمكانية البشرية حبيسة الزمان والمكان، فالروح جوهر يخالف في مادته عن جوهر البدن الأرضي الترابي، ولذلك يمكنها أن تتلقى من الأحاديث، وتظل الروح على اتصال بجسم النائم بصورة لا يعلمها إلا الله، فتنقل إليه كل ما تلقاه، ولكن بصورة رمزية قد يصعب تأويلها في كثيرٍ من الأحيان.



وعندما تصل تلك ( الأحاديث ) إلى الجسم فإنها تسبب انفعاله بها فيما يحدث من ازدياد النشاط الكهربائي للدماغ وإسراع النبض والتنفس وبعض الحركات غير الإرادية للعضلات والأطراف، وهذه كلها ردود فعل غريزية لتلك المؤثرات ويمكن تسجيل ما يشابهها في حالة اليقظة ـ إذا تعرض الإنسان اليقظ إلى الانفعالات سواء كانت نتيجة لمؤثرات خارجية كحادثة أو مناقشة أو مشكلة ما، أو كانت لمؤثرات دخيلة مثل التفكير والقلق والاكتئاب وتوقع المشاكل أو الأخبار السيئة.



أما الأوامر التي يتلقاها النائم في منامه فتأتي دائماً صريحة واضحة لأنها تأمر بعمل ما أو باتخاذ إجراء معين محدد، ولذلك تأتي الأوامر صريحة دون رموز كما جاء في قصة الذبيح )يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال: يا أبت افعل ما تؤمر (فهو أمر ونوع من أنواع الوحي من الله ليقضي الله أمراً كان مفعولاً.



وكذلك الأمر في قصة حفر بئر زمزم على يد جد الرسول صلى الله عليه وسلم ولذلك تأخذ شكلاً مغايراً للرؤى الأخرى الرمزية والتي تحتاج إلى تأويل ممن أعطاهم الله المقدرة على تأويل الأحلام، أما الأوامر فهي تحتاج إلى تنفيذ وهذا يستلزم وضوح المطلوب حتى يتم إنجازه دون خطأ أو تحريف، وأغلب الظن أن ما تلقته أم موسى كان من هذا القبيل )وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين ([سورة القصص: 7].فهي تعليمات واضحة صريحة لا لبس فيها ولا غموض حتى يتم تنفيذها كما هي دون نقصان.



 الموت الأصغر:



النوم كصفة من صفات الإنسان تلازمه طوال حياته، فهو ليس نقيضاً للحياة ولا مرادفاً للموت، وإنما تتوفى فيه النفس ثم ترسل ثانية، وبذلك يظل الجسد حياً بعكس الموت الذي يتم فيه إمساك روحه، فتتوفى الروح، ثم إرسالها في النائم يغاير تماماً توفي الروح ثم إمساكها بالنسبة للميت، ولذلك يظل النائم حياً بكل ما تحمله الحياة من مدلولات، إلا أنه يفقد ما تضفيه عليه الروح من صفات العقل والإدراك والانفعال والإرادة بالإضافة إلى الإحساس بالزمن، ولكن تظل العمليات الحيوية الكيميائية والفيزيائية تعمل تلقائياً بكل خلاياه، ولذلك كان القول بأن النوم هو الموت الأصغر له دلالاته الإيجابية الموحية، فنفس النائم يتوفاها الله ويرسلها عند الاستيقاظ، والنائم يرى من رموز الغيب ودلالاته ما لا يدركه الإنسان المستيقظ، وما يخرج عن إمكانيات الحواس المادية والقدرات الجسدية الفسيولوجية المعروفة، وإنما يدل على إمكانيات وقدرات الروح، وهي في حالة التوفي أثناء المنام، وكلها دلائل على وجود عوالم أخرى وآفاق غيبية لا يعلمها إلا الله، كما أن النوم يفقد الإنسان إحساسه بالزمن، فالنائم ساعة كالنائم يوماً كالنائم سنوات لا يدرى كم من الوقت مضى عليه وهو نائم، ويبدو الأمر بالنسبة له فترة زمنية لا تتعدى ساعات قليلة، إن أهل الكهف ناموا )ثلاث مئة سنين وازدادوا تسعاً(وقاموا من رقودهم يتساءلون بينهم: )قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوماً أو بعض يوم قالوا: ربكم أعلم بما لبثتم ([سورة الكهف: 19].



وأخيراً: فإن كلمة ( البعث ) الموحية ذات المدلول اللغوي والشرعي، قد ذكرت في كتاب الله للتدليل على بعث النائمين، كما ذكرت للتدليل على بعث الموتى مما قد يشير إلى نوع من التشابه بين النوم وبين الموت في بعض زواياهما، فالله جل جلاله يقول عن الفتية الذين ناموا في الكهف ثلاثة قرون: )وكذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم ([سورة الكهف: 19].فهذا بعث من نوم طويل، ويقول سبحانه عن صاحب القرية: )فأماته الله مئة عام ثم بعثه ([سورة البقرة: 259].فهو بعث من موت دام قرناً من الزمان، وعن أصحاب موسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ: )ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون ([سورة البقرة: 56].فذلك بعث من موت لفترة قصيرة، اتجه خلالها موسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ بالدعاء إلى ربه فاستجاب له، وها هم الموتى يبعثون يوم القيامة متسائلين مذعورين: )يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا ([سورة يس: 52].فهو بعث بعد موت تفاوتت مدته لتصل إلى عمر الإنسان على الأرض، وهو أمد لا يعلمه إلا الله، وفي تلك الآية الأخيرة يجتمع مدلول البعث ومدلول الرقاد بالنسبة للأموات، كما اجتمع اللفظان من قبل بالنسبة للفتية الذين كانوا رقوداً في الكهف وبعثهم الله، وهكذا يشبه النوم الموت من وجوه، فهو دليل عليه وإشارة إليه، وهنا علينا أن نتذكر ونتدبر قول الرسول صلى الله عليه وسلم وهديه لنا عند الاستيقاظ من النوم: ( الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور ).



لغز وتحد:



وهكذا ينام كل إنسان، يقضي جزءاً كبيراً من حياته نائماً، لا يشذ عن ذلك أحد، ولم ولا، فهي سنة الله في خلقه وآية من آياته سبحانه وتعالى، ويحيط بالنوم ما يحيط به من علامات ورؤى في المنام، ويظل لغزاً محيراً وتحدياً باقياً أمام العقل البشري، وكلما استمر البحث وأعمل الفكر زادت علامات التعجب والاستفهام، ويظل البحث في سر النوم وكنهه وما يلازمه من علامات جسدية وظواهر ورؤى بحثاً وصفياً لا يرقى إلى إظهار الحقيقة، إذ أن كل ذلك بحث في ما لا تدركه الحواس، ولا تحيط به الأفهام، ويكفينا أن نؤمن بأن النوم آية من آيات الخالق )ومن آياته منامكم بالليل ([سورة الروم: 23].وأن الروح آية من آيات الخالق وسر من أسراره وأمر من أموره عز وجل )ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً ([سورة الإسراء: 85]...ويبقى التحدي ويستمر البحث والتفكير والتدبر في آيات خلقه حتى يدرك كل إنسان حقيقة الخالق الواحد الأحد المبدع )سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ([سورة فصلت: 53]. صدق الله العظيم.



أحكام شرعية:



وأخيراً فإن النائم شرعاً إنسان حي مرفوع عنه التكليف لقول الرسول صلى الله عليه وسلم بأن القلم مرفوع عن ثلاثة فعنْ عَلِي أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "رُفِعَ القَلَمُ عنْ ثَلاَثةٍ، عنْ النّائِمِ حتّى يَسْتَيقِظَ، وعنْ الصّبيّ حَتّى يَشِبّ، وعنْ المعْتوهِ حتّى يَعْقِلَ".



فالنائم تنقصه الصلة الطبيعية بالروح التي تجعله مناطاً للتكليف فتمنحه الإرادة على حواسه وأعضائه الخاضعة للإرادة، من عين تتحرك في الاتجاه الذي يريد، ويد تمتد لتبطش أو لتمد العون حسبما يأمرها، ورجل تمشي إلى الخير أو على غير ذلك، كلها آلات تؤمر فتطيع ولا تملك إلا الطاعة، ليس لها إرادة حرة ولا قدرة إبداعية ولا قدرة على التفكير والعقل إلا بوجود الروح واتصالها بهذا الجسد بالصورة الطبيعية التي تغاير تماماً ما هو كائن أثناء النوم، انظر إلى تلك الآلات يوم القيامة في مقام الشهادة )حتى إذا ما جاؤوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون. وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا: أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون ([سورة فصلت: 20 ـ 21].



وبالتالي: فإن حركات النائم هي حركات غير إرادية نابعة عن تفكير أو استجابة لما حوله من مؤثرات مادية، فإذا تحرك نائم مثلاً فضغط بجسده على جسد طفل صغير فقتله مثلاً، أو سبب له تلفاً جسدياً فإنه لا مسؤولية ولا إثم عليه.



وللنائم العذر المقبول إن غلبه النوم وفاته وقت الصلاة، فعليه أن يؤدي ما فاته من فرض بعد أن يستيقظ ويتذكر ما فاته لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها ). ولا إثم عليه، كما أن النائم قد يصبح جنباً، بأن يحتلم أثناء نومه وفي تلك الحالة عليه أن يتطهر من جنابته بعد أن يستيقظ إذا عرف ذلك في نفسه، ولا إثم عليه. وذلك كله من فضل الله ورحمته بعباده الضعفاء أمام مخلوق من مخلوقات الله، وهو النوم الذي يغشى الإنسان كل يوم فلا يدري الإنسان عن نفسه ولا عما حوله شيئاً، ويستيقظ فكأنه بعث من جديد وكأنه ولد من جديد ليقول كما علمه الرسول صلى الله عليه وسلم: ( الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور ). فسبحان الذي خلق لنا الحياة ونفخ فينا الروح، وسبحان الذي خلق الموت وجعله حقاً على كل نفس أن تذوقه، وسبحان الله الذي خلق لنا النوم في أنفسنا دليلاً على الحياة ودليلاً على الموت ودليلاً على البعث: )فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء ([سورة يس: 83]. )وهو السميع العليم ([سورة الشورى: 11].



من هدي الرسول صلى الله عليه وسلم:



إن للنوم آداباً كما علمنا الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد كان ـ عليه الصلاة والسلام ـ يدعو الله ويذكره عند النوم وعند اليقظة من نومه، فروى أبو داود عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( من جلس مجلساً لم يذكر الله تعالى فيه كان عليه من الله تعالى ترة، ومن اضطجع مضجعاً لا يذكر الله تعالى فيه كان عليه من الله ترة ). والترة ـ بكسر التاء ـ هي: النقص. وقيل: التبعة.



وروى البخاري ـ رضي الله عنه ـ قوله: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أخذ مضجعه من الليل وضع يده تحت خده ثم يقول: ( اللهم باسمك أموت وأحيا ) وإذا استيقظ قال: ( الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور ).



وروى البخاري، عن البراء بن عازب ـ رضي الله عنه ـ أنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن وقل: اللهم أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، ونبيك الذي أرسلت، واجعلهن آخر ما تقول ).



وكان النبي صلى الله عليه وسلم يضطجع على شقه الأيمن وينهى عن الاضطجاع على البطن، ويروي أبو داود عن يعيش بن طلحة الغفاري ـ رضي الله عنه ـ عن أبيه أنه قال: ( بينما أنا مضطجع في المسجد على بطني، إذا رجل يحركني برجله فقال: إن هذه ضجعة يبغضها الله. قال: فنظرت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم.



ومن هديه ـ عليه الصلاة والسلام ـ قوله لعلي بن أبي طالب ولفاطمة ـ رضي الله عنهما ـ: ( إذا أويتما إلى فراشكما ـ أو إذا أخذتما مضاجعكما ـ فكبر ثلاثاً وثلاثين، واحمدا ثلاثاً وثلاثين، وسبحا ثلاثاً وثلاثين ).



وكذلك ما رواه أبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا أوى أحدكم إلى فراشه فلينفض فراشه بداخل إزاره فإنه لا يدري ما خلفه عليه، ثم يقول: باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فارحمها وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين ).



وروى مسلم عن أنس ـ رضي الله عنه ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أوى إلى فراشه قال: ( الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا، فكم ممن لا كافي له ولا مؤوي ).



وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده ـ رضي الله عنهم ـ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا فزع أحدكم في النوم فليقل: أعوذ بكلمات الله التامات من غضبه وعقابه وشر عباده، ومن همزات الشياطين، وأن يحضرون، فإنها لن تضره ). قال: وكان ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ يعلمها من بلغ من ولده، ومن لم يبلغ منهم كتبها في صك وعلقها في عنقه عند الاستيقاظ، فقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم المستيقظ من نومه أن يقول: ( الحمد لله الذي رد علي روحي، وعافاني في جسدي، وأذن لي بذكره ).



وكان مما يقوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ إذا استيقظ: ( لا إله إلا أنت سبحانك، اللهم إني أستغفرك لذنبي، وأسألك رحمتك، اللهم زدني علماً، ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني، وهب لي من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب ).


Admin · شوهد 5 مرة · وضع تعليق
24 نوفمبر 2007 

مَنْ عَلَّم آدم


لقد دأب أعداء الإسلام على مهاجمته من خلال التشكيك في لغة الوحي، وقد ذكر ذلك في القرآن الكريم وها هم يعاودون الكرة، ولكن في هذه المرة من خلال عملاء لهم من المنتسبين إلى الإسلام، فظهرت فتنة الشعر الجاهلي وفتنة الآيات الشيطانية ومفهوم النص يريدون بها أن يوحوا لعقول البسطاء غير الراسخين في العلم بأن لغة القرآن أو منطوقهقابل للتغير في الزمان والمكان، بل قابل للنقض والإبرام كما هو في أي نص أدبي من إنتاج البشر، حتى يخرجوا النص القرآني من جانب الوحي الإلهي إلى جانب الوضع الإنساني، بمعنى أن يجعلوه كلام بشر، ولكن هيهات لهم أن ينجحوا في ذلك، لأن الحق سبحانه وتعالى جعل في كتابه آيات وفي كونه آيات، وجعل العقل دليلاً  يستطيع أن يصل إلى الحق والحقيقة وهذا العلم دليلٌ على ذلك، وهذا البحث يحتاج إلى إمعان فكر لأنه بلغة علمية رصينة ونتيجة أبحاث علمية متينة.



ولأن الكمال لله والعجز من شيمة البشر، فإني أعتذر للقارئ المفكر من قصور قد يجده في سياق البحث ولكن ليكن هذا البحث بداية أعمالعلمية موسعةتشترك فيه مجموع من العقول الباحثة عن الحقيقة المجاهدة في سبيل إعلاء كلمة الحق بالفكر والعلم ومن تعصب ولا حول ولا قوة إلا بالله.



خلق أعداء الوحي (القرآن) أفكاراً جديدة تتمثل في اتجاهين:



1) ـ اتجاه يشكك في الإسناد المتمثل في الشعر الجاهلي كمرجع للبيان العالي وللإعجاز البياني، ويقولون إن الشعر الموجود في بداية نزول الوحي شعر مزيف منسوب للشعر الجاهلي، وهم يريدون بذلك أن يهدموا المرجع للإعجاز البياني في اعتقادهم، وإذا هدموا المرجع هدموا إعجاز النص المرسل بالوحي في اعتقادهم.



 2) ـ اتجاه آخر يقول بأن النص المرسل من جنس البشر ولغة البشر اصطلاحية بشرية أو تطورية نشأت بالصدقة ثم بالاصطلاح البشري البحت يريدون أن يقولوا أن النص المرسل قابل للتغير في الزمان والمكان، ومدلولاته قد تعطي مفاهيم في زمان غير الذي تعطيه في زمان آخر، وهذه الفرية تهدم الإعجاز والثبات والعالمية للنص المرسل بالوحي. (ملحوظة: المقصود بالنص المرسل بالوحي هنا القرآن الكريم المعجزة الخالدة)، ومع اشتراك أصحاب هذه الاتجاهات في هدف واحد وهو الإيحاء ببشرية النص ولأنه بشري فهو قابل للنقض والإبرام والتغير في الزمان والمكان. ومع ذلك فوسيلة الوصول إلى ذلك الاتجاه الأول تختلف بل تتناقض مع وسيلة الاتجاه الثاني.



فالاتجاه الأول يعتبر أن اللغة وصلت إلى قمة مجدهاوبيانها عند نقطة معينة، وبعدها حدث الانهيار والضعف، وعند هذه النقطة يكون الإسناد والقياس والمرجعية، ولأن هذه النقطة مفقودة فالإسناد ضعيف.



والاتجاه الثاني يقول العكس بأنه لا إسناد ولا قمة بل اللغة تتطور إلى الأصلح دائماً وأبداً، فهي مع الإنسان في حركته في الزمان والمكان، وما كان مبيناً معجزاً في وقت لهو غير ذلك في وقت آخر، بل قد تختلف الدلالة بالكلية من زمان إلى زمان بل ومن مكان إلى مكان.



ولأن هذه القضايا من تلبيس إبليس فإن الرد العلمي هو خير وسيلة لمنع الآثار المدمرة لهذه الفتن الشيطانية، فهيا بنا مع العقل والعلم مع الفكر الهادئ لنصل إلى الحقيقة بإذن الله.



العقل هو أداة التكليف وهو ميزة بشرية عالية، وهو لطيفة ربانية ميزت جنس الإنسان عن بقية المخلوقات، وهو موجود غير محسوس، وهو مدرك بآثاره الواضحة، والتي منها الفرق بين من له عقل ومن لا عقل له، وحتى هذا الفرق لا يدرك إلا به، وهو اللطيفة التي بها يفهم الحس ويتوصل به إلى نتائج ذات معنى من مقدمات متعددة، وهو المقباسالمخترع المبدع وهو هبة من الله للإنسان تكليفاً وفي غيابه يسقط التكليف وبه يتمايز المكلفون. ولكي تتواصل العقول كان لا بد من لغة فيها بيان من خلالهاتتلاقح الأفكار لتولد المعاني، والمعاني الجديدة ومن خلاله تتواصل المعاني الداخلية من فرد إلى فرد، ومن أمة إلى أمة وبقدر العقول تكون درجة ذلك البيان، وهذه اللغة وذلك البيان علم والعلم يحتاج إلى معلم فمن علم الإنسان؟ الإجابة أبواه وأساتذته وبتسلسل القضية حتى آدم يسأل العقل من علم آدم؟ وتسمع الإجابة من رب آدم:)وعلم آدم الأسماء كلها .. ([الآية 31 سورة البقرة].



ومن هنا بدأت قضية اللغة: أتوفيقية هي أم اصطلاحية؟ بمعنى هل هي إلهام من الله أم من تواضع البشر؟ ولهذه القضية تاريخ طويل فهيا بنا في رحلة مع القضية عبر الزمان.



نشأة اللغة:



هناك أربع نظريات في نشأة اللغة هي:



(النظرية الأولى)إلهام إلهي هبط على الإنسان فعلمه النطق وأسماء الأشياء وذهب إلى هذا الرأي:



أ ـ في العصور القديمة:الفيلسوف اليوناني هيراكليت، ب ـ في العصور الوسطى: ابن فارس، ج ـ في العصور الحديثة: الأب لامي والفيلسوف دوبونالد. قال ابن فارس(2).



أقول: إن لغة العرب توفيق ودليل ذلك قوله تعالى: )وعلم آدم الأسماء كلها  (فكان ابن عباس يقول: علمه الأسماء كلها وهي هذه التي يتعارفها الناس من دابة وأرض وسهل وجبل وحمار وأشياء ذلك من الأمم وغيرها. وعن مجاهد قال: علمه اسم كل شيء، وقال غيرهما: إنما علمه أسماء الملائكة، وقال آخرون: علمه أسماء ذريته أجمعين. فإن قال: أفتقولون في قولنا سيف وحسام إلى غير ذلك من أوصافه أنه توفيق حتى لا يكون شيء منه مصطلحاً عليه؟ قيل له: كذلك نقول، والدليل على صحة ما نذهب إليه إجماع العلماء على الاحتجاج بلغة القوم فيما يختلفون فيه أو يتفقون عليه، ثم احتجاجهم بأشعارهم، ولو كانت اللغة، واضعة واصطلاحاً لم يكن أولئك في الاحتجاج بهم بأولى منا في الاحتجاج لو اصطلحنا على لغة اليوم ولا فرق.



ولعل ظاناً يظن أن اللغة التي دللنا على أنها توقيف إنما جاءت جملة واحدة وفي زمان واحد. وليس الأمر كذلك بل وفق الله جل وعز آدم عليه السلام على ما شاء أن يعلمه إياه مما احتاج إلى علمه في زمانه وانتشرت من ذلك إلى ما شاء الله، ثم علم بعد أدم عليه السلام من عرب الأنبياء صلوات الله عليهم نبياً نبياً ما شاء أن يعلمه، حتى انتهى الأمر إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فآتاه الله عز وجل من ذلك ما لم يؤت أحداً قبله، تماماً على ما أحسنه من اللغة المتقدمة، ثم قر الأمر قراه فلا نعلم لغة من بعده حدثت. فإن أخطأ أحد في اللغةوجد من نقاد العلم من ينقيه ويرده.



ونقطة أخرى أنه لم يبلغنا أن قوماً من العرب في زمان يقارب زماننا أجمعوا على تسمية شيء من الأشياء مصطلحين عليه، فكنا نستدل بذلك على اصطلاح كان قبلهم. وقد كان من الصحابة رضي الله عنهم ـ وهم البلغاء والفصحاء ـ من النظر في العلوم الشريفة ما لا خفاء به وما علمناه اصطلحوا على اختراع لغة أو أحداث لفظة لم تتقدمهم.



ومعلوم أن حوادث العالم لم تنقضيإلا بانقضائه ولا تزول إلا بزواله وفي ذلك دليل على صحة ما ذهبنا إليه من هذا الباب. ورد ابن جني على النظرية بتأويل الآية )وعلم آدم الأسماء .. (بأنها قد تحتمل أن الله تعالى أقدر الإنسان على وضع الألفاظ.



وفي العهد القديم، سفر التكوين: ( الله خلق من الطين حيوانات الحقول وجميع طيور السماء ثم عرضها على آدم ليري كيف يسميها وليحمل كل منها الاسم الذي يضعه لها الإنسان، فوضع آدم أسماء لجميع الحيوانات المستأنسة ولطيور السماء ودواب الحقول ..). ويقول الأستاذ الدكتور / علي عبد الواحد: أن ككل هؤلاء يقررون بأن اللغة التوفيقية إلهامية ولكن أصحاب هذه النظرية لا يكادون يقدمون بين يدي مذهبهم دليلاً يعتد به. وأما أدلتهم النقلية فبعضها يحتمل التأويل وبعضها يكاد يكون دليلاً عليهم لا لهم.



النظرية الثانية:



تقول بأن اللغة اصطلاحية حدثت بالتواضع والاتفاق وارتجال ألفاظها ارتجالاً ومن أهم من تكلموا عنها ابن جني(3)يقول: (هذا موضع محرج إلى فضل تأمل، غير أن أكثر أهل النظر على أن أصل اللغة إنما هو تراضه واصطلاح لا وحي (وتوقيف) ويشرح رحمه الله ذلك بقوله: وذلك أنهم ذهبوا إلى أن أصل اللغة لا بد فيه من المواضعة قالوا: وذلك كأن يجتمع حكيمان أو ثلاثة فصاعداً فيحتاجون إلى الإبانة عن الأشياء المعلومات، فيضعون لكل واحد منها سمة ولفظاً ثم يقول رحمه الله: (أن كل اللغات تجري على هذا المنوال ثم يتولد منها لغات كثيرة، ولكن لا بد لأولها أن يكون متواضعاً عليه بالمشاهدة والإيماء).



وقال أصحاب هذا الرأي: إن القدير سبحانه لا يجوز أن يوصف بأنه يواضع أحداً من عبادة على شيء، إذ قد ثبت أن المواضعة لا بد لها من إيماء وإشارة بالجارحة نحو المومأ إليه، والمشار نحوه، والقدير سبحانه لا جارحة له فيصح الإيماء والإشارة بها منه.



ثم قالوا: ولكن يجوز أن ينقل الله اللغة التي قد وقع التواضع بين عباده عليها، بأن يقول: الذي كنتم تعبرون عنه بكذا عبروا عنه بكذا، والذي كنتم تسمونه كذا ينبغي أن تسموه كذا، وجواز هذا منه ـ سبحانه ـ كجوازه من عباده.



ويعلق ابن جني رحمه الله قائلاً: إلا أنني سألت يوماً بعض أهله، فقلت: ما تنكر أن تصح المواضع من الله تعالى؟ وإن لم يكن ذا جارحة، بأن يحدث في جسم من الأجسام، خشية أو غيرها، إقبالاً على شخص من الأشخاص، وتحريكاً لها نحوه، ويسمح في نفس تحريك الخشية نحو ذلك الشخص صوتاً يضعه اسماًله، ويعيد حركة تلك الخشية نحو ذلك الشخص دفقات، فتقوم الخشية في هذا الإيماء، وهذه الإشارة مقام جارحة ابن آدم في الإشارة بها في الواضعة ثم يعقب قوله: وأعلم فيما بعد، أنني علم تقادم الوقت، دائم التغير والبحث عن هذا الموضع، فأجد الدواعي والخوالج قوية التاذب لي، مختلفة جهات التقول على فكري، وذلك بأنني إذا تأملت حال هذه اللغة الشريفة الكريمة اللطيفة، وجدت فيها من الحكمة والدقة، والإرهاف والرقة، ما يملك على جانب الفكر، حتى يكاد يطمح به أمام غلوة السحر، وانضاف إلى ذلك وارد الأخبار المأثورة بأنها من عند الله عز وجل فقوي في نفسي اعتقاد كونها توفيقاًمن الله سبحانه وأنها وحي، ثم أقول في ضد هذا. كما وقع لأصحابنا ولنا تنبهوا وتنبهنا، على تأمل هذه الحكمة الرائعة الباهرة، كذلك لا ننكر أن يكون الله تعالى خلق من قبلنا ـ وإن بعد مداه عنا ـ من كان ألطف منا أذهاناً وأسرع خواطر، وأجرأ جفاناً فأقف بين هاتينالخلتين حسيراً، وإن خطر خاطر فيما بعد يعلق الكف بإحدى الجهتين ويكفها عن صاحبتها قلنا به، وبالله التوفيق.



وهكذا انتهى بحث ابن جني عن نشأة اللغة أو الكلام البشري بالحيرة والتردد وعدم الجذم وهذا إحساس صادق لعالم كبير كما سترى في سياق البحث.



ويعلق الأستاذ الدكتور / علي عبد الواحد وافي في كتابه(4)بقوله: وليس لهذه النظرية أي سند عقلي أو نقلي أو تاريخي، بل إن ما تقره ليتعارض مع النواميس العامة التي تسير عليها النظم الاجتماعية، فعهدنا بهذه النظم أنها لا ترتجل ارتجالاً ولا تخلق خلقاً، بل تتكون بالتدرج من تلقاء نفسها.



هذا ولأن التواضع على التسمية يتوقف في كثير من مظاهره على لغة صوتية يتفاهم بها المتواضعون فما يجعله أصحاب هذه النظرية منشأ للغة يتوقف هو نفسه على وجودها من قبل.



النظرية الثالثة:



تقرر أن الفضل في نشأة اللغة يرجع إلى غريزة خاصة زود بها في الأصل جميع أفراد النوع الإنساني، وإن هذه الغريزة كانت تحمل كل فرد على التعبير عن كل مدرك حسي أو معقول بكلمة خاصة به كما أن غريزة التعبير الطبيعي عن الانفعالات تحمل الإنسان على القيام بحركات وأصوات خاصة (الضحك، البكاء تغيرات الأسارير المختلفة ..) وأن هذه التغيرات الغريزية عامل مشترك من البداية لجنس الإنسان . وأنه يعد نشأة اللغة الإنسانية الأولى لم يستخدم الإنسان هذه الغريزة فأخذت تنقرض شيئاً فشيئاً حتى تلاشت.



ولقد وجد العالم الألماني (مكس مولر) أن اللغات الهندية الأوربية وهي إحدى اللغات الثلاث التي يرجع إليها اللغات الإنسانية لها مفردات لا تتجاوز 500 خمس مئة أصل مشترك وأن هذه الأصول تمثل اللغة الأولى التي انشقت منها هذه الفصيلة، وتبين له من تحليل هذه الأصول أنها تدل على معاني كلية، وأنه لاتشابه مطلقاً بين أصواتها وما تدل عليه من فعل أو حالة ففي دلالتها على معاني كلية برهان قاطع على أن اللغة الإنسانية الأولى لم تكن نتيجة تواضع واتفاق لماذا؟.



الإجابة: (1)لأن التواضع يتوقف على وسيلة يتفاهم بها المتواضعون، وهذه الوسيلة لا يعقل أن تكون اللغة الصوتية، لأن المفروض أن المتواضع عليه هو أول ما نطق به الإنسان من هذه اللغة ولا يعقل أن تكون لغة الإشارة لأننا   



بصدد ألفاظ تدل على معاني كلية أي على أمور معنوية يتعذر استخدام الإشارة الحسية فيها.



(2) لأن التواضع فيه تحديد للمعاني وفي عدم وجود تشابه بين أصواتها وما تدل عليه برهان قاطع على أن اللغة الإنسانية لم تنشأ من محاكاة الإنسان لأصوات الطبيعة (أصوات التغيير الطبيعي عن الانفعالات وأصوات الحيوانات والأشياء . لماذا ؟.



والجواب:لأن الأصوات الطبيعية محدودة ولو كانت هي التي تشمل أصول اللغة الأولى لوجدنا تشابها ظاهراً بين أصواتها.



ويبني نقد النظرية على ما يأتي:



إن هذه النظرية تعتمد من البداية على أساس واه لأنها جعلت بداية اللغة أصولاً مشتركة تدل على معاني كلية، ومن الواضح أن إدراك المعاني الكلية يتوقف على درجة عقلية راقية لا يتحور وجود مثلها من البداية البسيطة بل إن هناك عملية استقراء لقبائل بداية بينت أن اللغة البدائية لهم بعيدة كل البعد عن الكليات وقريبة من المعاني المحدودة (5).



النظرية الرابعة:



تقرر أن اللغة الإنسانية نشأت من الأصوات الطبيعية (أصوات مظاهر الطبيعة وأصوات الحيوانات وأصوات الأفعال، كصوت الضرب والقطع وغير ذلك، وسارت في سبيل الرقي شيئاً فشيئاً تبعاً لارتفاع العقلية الإنسانية وتقدم الحضارة وتعدد حاجات الإنسان.



وبحسب هذه النظرية، يكون الإنسان قد افتتح هذه السبل بمحاكاة أصوات الطبيعة والمؤثرات الناتجة من الأفعال كصوت الريح وخرير الماء وحفيف الشجر وصوت سقوط الصخور وكان يقصد من هذه المحاكاة التعبير عن الشيء الذي يصدد عنه الصوت المحاكى أو عما يلازمه أو يصاحبه من حالات وشؤون، واستخدام في هذه المحاكاة ما زود به من قدرة على لفظ الأصوات المركبة ذات المقاطع.



وكانت لغته في بادئ الأمر محدودة الألفاظ الطبيعية التي أخذت عنه قاصرة عن الدلالة على المقصود، ثم اتسعت وتطورت .... وبعد أن استعرض الأستاذ الدكتور / علي عبد الواحد وافي هذه النظرية في كتابه (6) استطرد قائلاً: وهذه النظرية هي أدنى نظريات هذا البحث إلى الصحة وأقربها إلى المعقول، وأكثرها اتفاقاً مع طبيعة الأمور وسنن النشوء والارتقاء الخاضعة لها الكائنات وظواهر الطبيعة والنظم الاجتماعية. ثم يقول: ولم يقم أي دليل يقيني على صحتها، ولكن لم يقم أي دليل يقيني على خطئها، وكل ما يذكر لتأبدها لا يقطع بصحتها.



ومن أهم أدلتها أن المراحل التي تقررها بصدد اللغة الإنسانية تتفق في كثير من وجودها مع مراحل الارتقاء اللغوي عند الطفل ـ فقد ثبت أن الطفل في المرحلة السابقة لمرحلة الكلام، يلجأ في تعبيره الإرادي إلى محاكاة الأصوات الطبيعية فيحاكي الصوت قاصداً التعبير عن مصدره أو ما يتصل به ومن المقرر أن المراحل التي يجتازها الطفل في نظهر ما من مظاهر حياته تمثل المراحل التي اجتازها النوع الإنساني في هذا المظهر.



ومن أدلتها كذلك أن ما تقرره بصدد خصائص اللغة الإنسانية في مراحلها الأولى يتفق مع ما نعرفه عن خصائص اللغات في الأمم البدائية، ففي هذه اللغات تكثر المفردات التي تشبه أصواتها ما تدل عليه ولنقص هذه اللغات وسذاجتها وإبهامها وعدم كفايتها للتعبير، لا يجد المتكلمون مناصاً من الاستعانة بالإشارة اليدوية والجسمية في أثناء حديثهم لتكملة ما يفتقر إلي من عناصر وما يعوذه من دلالة ومن المقرر أن هذه الأمم لبعدها عن تيارات الحضارة  وعزلتها، تمثل إلى حد كبير النظم الإنسانية في عهودها الأولى.



بعد هذه الجولة مع نظريات نشأة اللغة نلاحظ أن النظرية الثانية والثالثة قد اعتمدتاعلى حجج واهية أو ملفقة أصبحت بمثابة معاول هدم لهما، وبقيت النظرية الأولى وهي التوفيقية الإلهامية والنظرية الرابعة وهي التطورية (من بداية محاكاة أصوات الطبيعة إلى اللغة الإنسانية الراقية) بقيتا بغير مرجع يقيني في رأي علماء اللغة.



فهل اللغة إلهامية (توفيقية) أم تطورية طبيعية؟ هذا السؤال عجز علماء اللغة حتى الآن عن الإجابة عليه فهل هناك بصيص أمل خطأنا إلى الوصول إلى إجابة عليه قاطعة لهذا السؤال المعلق؟.



أقول، وبالله التوفيق: نعم ... كيف؟ هناك ظواهر علمية تجلت للعلماء حديثاً يمكنها أن تجيب يقيناً على هذا السؤال الهام وهي كالآتي: لاحظ العالم (دافيد هيوبل) والعالم (وسل) وهم من علماء جامعة " هارفارد " أن الأطفال الذين يولدون لعتامة عدسة العين يصابون بمعمى دائم وإن لم تعالج العتامة مبكراً وقبل مرور زمن محدد بعده تصبح العين عمياء حتى لو تم إزالة العتامة(7).



وفتحت هذه الملاحظات الهامة الباب على مصارعه لأبحاث نمو (الممر العصبي البصري) من العين وحتى القشرة البصرية بمناطقها المختلفة، واستخدام العلماء القطط والقرود في كشفي أسرار لم تكن معروفة وذلك بخياطة عيون القطط وغيرها في فترات مبكرة ومتأخرة وملاحظة هندسة الممر البصري حتى داخل القشرة الابصارية، وكانت خلاصة هذه الأبحاث الهامة، أن الممرات الحسية كممر السمع والبصر ومراكزها داخل المخ (مراكز السمع والبصر) يتم بناؤه على العموم وفقاً لخطة جينيةمسبقة لكن الارتباطات الداخلية اللازمة لأداء وظائفها على أكمل وجه يلزمه التقاء المؤثرات الحسية الخارجية ـ كالأصوات والصور مثلاً ـ بالمستقبلات الحسية كالعين والأذن حتى يتم استكمال النظام الهندسي داخل مركز الحس في المخ واللازمة لعمل تلك المراكز ولا بد أن يتم هذا الالتقاء في فترة محددة بمعنى أنه لو لم يتم هذا التزاوج بين المؤثرات الحسية الخارجية (الكونية) وبين مراكز الحس في الفترة المحددة المبكرة فإن نمو المراكز سيكون، مشوهاً أو معوقاً مدى الحياة ويترتب على ذلك إعاقة أو ضمور أو تشويه تلك المراكز المحورية فلقد لاحظ العلماء أن خياطة أعين القطط مبكراً في الفترة الحرجة ثم فتحها بعد ذلك يؤدي إلى حدوث عمى نهائي لهذه القطط بينما خياطة أعينها ثم فتحها، بعد هذه الفترة الحرجة لا يؤدي إلى عمى دائم ويعود الإبصار إليها كما كان. (الفترة الحرجة في القطط هي الشهور القليلة بعد الولادة). وفي جامعة " كارل ماركس " قام العالم (دينماربيسولد) والعلم (فولكوبيجل) بتأكيدها ذلك. وخلاصة هذه الأبحاث الرائعة يمكن تلخيصها كما جاء في مجلة العلوم الأمريكية (8) فيما يأتي:



وجد العلماء أن الهريرات (القطط) التي أغلقت إحدى عينها خياطة خلال الأشهر القليلة الأولى من ولادتها تقل لديها، بشكل ملحوظ، نسبة الخلايا العصبية الموجودة في المنطقة 17 في القشرة المخية المستجيبة لتنبيه العين المغلقة وبقيت كذلك حتى بعد فتح عينها أما العين التي بقيت مفتوحة فإن المراركز الخاصة بها في المخ نمت نمواً طبيعياً، ويلاحظ العلماء أن العطب بقي ملازماً للقط حتى آخر عمره أي بقيت هذه العين عمياء حتى آخر عمر القط.



ويعتمد التأثير بشكل حاسم على توقيت الحرمان ولقد وجد (هوبل ويزل) أن الحرمان الأحادي العين أثناء البلوغ لم يغير من عضويةالمنطقة 17 فبقيت سليمة هذه الفترة بالفترة الحرجة. وكل الأبحاث النفسية أكدت أهمية المناغاة للطفل في مراحله المبكرة حتى تستقيم لغته وبيانه بل أظهرت حالات الحرمان الحسي والحركي، أو الحركة في الأطفال المبسترين والذي ربوا في ملاجئ معزولة قاحلة أظهرت تخلفاً حركياً ولغوياً وكذلك تأخر في النمو العقلي ولقد لاحظ عالم النفس (سيلز) أن الحيوان إذا استمر فترة طويلة (بعد الفترة الحرجة) فإن التخلف سيكور غير قابل للتحسن.



وأثبتت الدراسة التي قام بها العالم النفسي (واين دينيس) في أحد الملاجئ اللبنانية أن الحرمان الحركي المبكر للأطفال يؤدي إلى تخلف عقلي غير قابل للإصلاح (نهائي) إذا استمر الحرمان لفترة ما بعد الفترة الحركة التي قدرها سنتين وأكثر (بعد التقديرات).



ولأن اللغة والبيان تتأثر بنمو المخ الطبيعي من ناحية والنمو العقلي السوي من ناحية أخرى فإن علماء اللغة انتبهوا إلى هذه الظواهر العلمية وسخروها لأبحاثهم ليكشفوا بعض أسرار البيان البشري ـ فلماذا وجد العلماء، لقد وجدوا ما يأتي:



1) ـ أن الأطفال يخرجون من بطون أمهاتهم وهم مجهزون بآليات إدراك فطرية، وأنها مهيأة وإلى حدٍ كبير للتكيف مع خصائص لغة البشر التي تعدهم لعالم اللغة التي سيواجهونه مستقبلاً.



2) ـ إن هذه الآليات عامة بمعنى أنها تتعامل مع ذبذبات (ترددات صوتية) تشترك فيها جميع لغات البشر لتشكل هذه الترددات أرضية مشتركة للغات البشرية المختلفة.



3) ـ أن استقبال الطفل للغة مبكراً يبدأ بالتقاط تلك الذبذبات (الترددات) البشرية العامة وتنميتها ثم تبدأ بعد ذلك الخصصة من خلال تعامل الطفل للوسط اللغوي الذي يعيش فيه بالتركيز على لغة خاصة وتنمية ذبذبة أو ذبذبات معينة مع كمون أو ضمور الأخرى التي لم تنس(9).



بعد هذه الجولة مع تلك الحقائق العلمية يمكن أن نصل إلى النتائج التالية:



أ ـ أن مخ الطفل حديث الولادة يحتوي على مراكز للسمع والبصر جاهزة للاستخدام ولكن تحتاج إلى استكمال وظيفي يتمثل في اتصال خلاياها وفقاً لخطة وهدف محدد بمحكمة.



ب ـ أنه لكي تنمو المراكز وغيرها نمواُ سليماً يحقق وظائفها على أكمل وجه، فإنه لا بد لهذه المراكز أن تتلقى سيلاً من التنبيهات العصبية الناتجة من تأثير الأصوات والصور الخارجية على مستقبلات السمع والبصر ولا بد أن يكون هذا التلقي مبكراً في فترة حرجة وإذ لم يتم ذلك أو أعيق في تلك الفترة المبكرة فإن تعطيلاً كلياً أو جزئياً سيصيب تلك المراكز وفقاً لدرجة الإعاقة ويكون هذا الخلل نهائياً ومستديماً.



ج ـ ولأن مركز اللغة في مخ الإنسان هو المنطقة التي يصب فيها مركز السمع ومركز البصر بل إن امتدادات مركز السمع إلى الخلف ومركز البصر إلى الإمام تشكل منطقة فهم البيان وإنتاجه في المخ البشري، ولذلك فإن أي تعطيل أو تعويق لهذه المراكز يعني بالتالي تعطيل أو تعويق في إنتاج اللغة والبيان البشري.



د ـ إن جهاز اللغة أو مركز البيان في المخ البشري يحتاج لتنشيطه إلى ترددات (ذبابات) من جنس الذبابات الخاصة بالنطق البشري، ولا بد لهذه الذبذبات البشري أن تلتقي بمراكزها الحسية في المخ في فترة مبكرة ومحددة بعد الولادة وإلا لحدث تعطل كلي أو جزئي ومستقيم لملكة البيان البشري بل وقد يمتنع إنتاج اللغة المنطوقة من البداية.



وهذه الظواهر البيولوجية والفسيولوجية المؤكدة عليها تسقط النظرية التطويرةللغة وهي النظرية الرابعة وتراجع النظرية التوفيقيةأو الإلهامية للغة وهي النظرية الأولى " لأن النظرية التطويرةتعتمد على أن الإنسان من البداية كان لا يسمع إلا الأصوات الطبيعية ومعنى ذلك أن مركزا السمع والنطق في مخه ستبنىوفقاً لهذه الذبذبات (الأصوات) وسيكون هذا البناء نهائياً وعلى ذلك فستكون تلك الأصوات الطبيعية هي منطوق آدم التي سيقوم بتعليمها لأبنائه وبذلك لن تكون هناك فرصة لظهور البيان البشري المعروف. وبذلك يمكن للنظرية الأولى أن ترتفع إلى حد اليقين العلمي، وإن آدم عليه السلام لا بد وأن يكون قد تلقى تعليماً لغوياً من جنس ذبذبات اللغة البشرية مبكراً ثم استمر التلقين بعد ذلك.



وبمعنى آخر، يمكن أن نقول: أن الطفل لا بد لكي يكون ناطقاً أن يتلقى تعليمه مبكراً من أبويه، وأبواه ممن سبقهم وتسلسل إلى آدم فيكون السؤال المنطقي ـ من علم آدم؟ فلا نجد إجابة علمية يقينية إلا: )وعلم آدم الأسماء كلها (.فهيا بنا مع معجزة الوجود مع كتاب الله الخالد الوحيد الباقي المحفوظ ... به الجميع وليكون دستوراً للعالمين لمن شاء منهم أن يستقيم. هنا بنا مع القرآن الكريم لنرى كيف عرض الحق قضية تعليم الإنسان من لدن آدم.



)وعلم آدم الأسماء كلها (



جاء في الطبري: ما هي الأسماء التي علمها سبحانه لآدم؟.



هناك آراء في ذلك منها:



 (1) أسماء المخلوقات التي تحبط بالإنسان.  (2) أسماء كل شيء.



(3) أسماء الملائكة.                          (4) أسماء ذريته.



ورجع الطبري (3 + 4) مستنداً على (ثم عرضهم). وفي روح المعاني للألوسي جاء في شرح هذه الآية:



الأسماء جمع اسم وهو باعتبار الاشتقاق ما يكون علامة للشيء ودليلاً برفعه إلى الذهن من الألفاظ الموضوعة بجميع اللغات والصفات والأفعال واستعمل عرفاً في الموضوع لمعنى مفرداً كان أو مركباً أو خبراً أو رابطة بينما وكلا المعنيين محتمل، والعلم بالألفاظ المفردة والمركبة تركيباً خبرياً أو إنشائياً يستلزم العلم بالمعاني التصورية والتصديقية وقال الإمام:والمراد بالأسماء صفات الأشياء ونعوتها وخواصها لأنها علامات دالة على ماهياتها فجاز أن يعبر عنها بالأسماء، وقيل المراد بها أسماء ما كان وما سيكون وقبل اللغات وقبل أسماء الملائكة وقبل أسمائه تعالى ـ ثم يعلق الألوسي بقوله: والحق عندي ما عليه أهل الله تعالى وهو الذي يقتضيه منصب الخلافة الذي علمت وهو أنها أسماء الأشياء علوية أو سفلية جوهرية أو عرضية. ويقال لها أسماء الله تعالى عندهم باعتباره دلالتها عليه وظهوره فيها غير متقيد بها.



(كيفية التعليم):



يقول الألوسي: التعليم هو فعل يترتب عليه العلم غالباً بعد حصول ما يتوقف عليه من جهة المتعلم كاستعداده لقبول الفيض وتلقيه من جهة المعلم. وعن كيفيته بالنسبة لآدم في هذا المقال يقول:



(1) خلق فيه عليه السلام بموجب استعداده علماً ضرورياً تفصيلياً بتلك الأسماء وبمدلولاتها وبدلالتها ووجه دلالتها.



(2) بأن خلقه الله من أجزاء مختلفة وقوى متباينةمستعداً لإدراك أنواع المدركات والهمة معرفة ذوات الأشياء وأسمائها وخواصها وأصول العلم وقوانين الصناعات فيكون ما مر من المقاومة قبل خلقه عليه السلام.



(3) كان التعليم بواسطة ملك يلقنه ذلك.



(4) وقال أبو هامش بوجود لغة اصطلاحية كانت لدى آدم قبل تعليمه ومن خلال وحداتها تم تعليمه العلم الكامل.



ويقول الفخر الرازي في تفسيره:



المسألة الأولى:قال الأشقر والجبائي والكعبي أن اللغات كلها توفيقية بمعنى أن الله تعالى خلق آدم ضرورياً بتلك الألفاظ وتلك المعاني وبأن تلك الألفاظ موضوعة لتلك المعاني.



وبعد هذه الجولة مع تفسير الآية الكريمة: )علم آدم الأسماء كلها ( 



نلاحظ أن معنى الآية واضح في أن الله علم آدم ما لم يكن يعلم وفي سورة العلق تأكيد لذلك إذ يقول الحق تبارك وتعالى: )علم الإنسان ما لم يعلم (وفي سورة الرحمن إشارة أخرى للتعليم إذ يقول الحق هز وجل في محكم تنزيله )خلق الإنسان علمه البيان (.



ويقول الفخر الرازي مفسراً لمعنى البيان: البيان: المنطق فعلمه ما ينطق به ويفهم غير ما عنده وهو ميزة بشرية.



ويحتمل أن يتمسك بهذه الآية على أن اللغات توفيقيةحصل العلم بها بتعليم الله. يقول الإمام الشنقيطي في تفسيره (أضواء البيان). علمه البيان علمه الإفصاح عما في الضمير ثم يربط رحمة الله بين هذه الآية والآية في صورة النحل: )خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين (. فيقول: فالإنسان بالأمس نطفة واليوم هو في غاية البيان وضده الخصام يجادل في ربه وينكر قدرته على البعث " وأن هذه النطفة مهما نمت وكبرت وأصبحت جسداً فإنها لن تعطي بياناً بل تعطي جسداً أبكم فمن علم الإنسان من البداية البيان فأخرجه من بكمه الحتمي إلى بيانه الراقي(10).



ثم تأتي الآية (78) من سورة النحل لتشير في إعجاز مبهر إلى المراحل الزمانية لتشكيل ملكة السمع والبصر بعد ولادة الطفل: )والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون (،فالطفل يولد وله جهاز عصبي فيه مراكز السمع والبصر وغيرها، ولكن هذه المراكز تحتاج للاستكمال الوظيفي وفقاً لالتقائها بالمحسوسات الخاصة بها والمخلوقة وفقاً لها ويتم ذلك بعد ولادة الطفل ومن هذه المراكز وفيها يتكون البيان البشري وفق مراحل زمنية علمها عند خالقها العليم الحكيم.



وبعد هذه الجولة نصل إلى النتيجة التالية: أن النقل (القرآني) يشير بوضوح إلى حتمية وجود معلم لآدم من البداية والعلم العقلي اليقيني يؤكد حتمية التقاء الأصوات والصور مبكراً بأدوات حس الطفل بعد الولادة حتى يمكن أن ينشأ طفلاً متكلماً مبيناً ولا بد أن تكون هذه الأصوات من جنس ترددات الأصوات البشرية وإذ لم يحدث ذلك مبكراً لحدث تعطيل كلي أو جزئي في عملية البيان للإنسان بعد ذلك.



وتبقى مشكلة وهي: على أي حال كان تعليم آدم؟



العلم المشاهد يرجع قياساً أن تعليمه كان عن طريق التعليم وهذه فطرة فطر الله عليها جهاز البيان في مخ الإنسان المكلف بأنه يحتاج من البداية لسماع أصوات بشرية حتى تستكمل مراكزه داخل المخ فيكون أهلاً للبيان البشري والمنطق الإنساني ولو تعطل ذلك فإن الإنسان سينشأ أبكم أو معوقاً بياناً. وهذه حكمة جعلها الله في عالم الأسباب لتكون حجة للعقل أو حجة عليه حتى بتسلسل العقل مع حلقات الأسباب موقتاً أن كل إنسان يحتاج إلى معلم ملقن يسلقه فيسأل العقل: من علم آدم؟ فتكون الإجابة الوحيدة الله علم آدم.



فيكون السؤال التالي كيف علمه؟ فيكون الجواب من خلال التكليم، ولكن كيف كان التكليم؟ هذه القضية غيبية من عالم الغيب والشهادة من الله الخالق الذي قال في سورة الشورى آية (51). )وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً أو من وراء حجاب أو يرسل رسولاً فيوحي بإذنه ما يشاء إنه عليم حكيم (.



إذن العقل والنقل وملاحظة العلماء تؤكد ضرورية التلقين المبكر للغة بأصوات ذات ترددات شبيهة بلغة البشر حتى ينشأ الإنسان قادراً على البيان، كل ذلك يجعل اللغة في هيكلها أو في جذورها توقيفية، وهي مع ذلك قابلة للامتداد والشكل الحر في الزمان والمكان وفقاً لحرية الإنسان المكلف المخير ولكن تبقى اللغة في جذورها في هيكلها وأساسها توفيقيةبتعليم الله.



وقد يقول قائل: ما فائدة هذا الجهد الذي أدى إلى تلك النتيجة اليقينية في أصل اللغة؟ أرد أنه بالإضافة إلى ما سيكتسبه البيان البشري من قيمة عالية لا تشابه إلى العليم الحكم فإنه بناء على ذلك يصبح الخطاب الآلي للإنسان بديهة عقلية ويصبح الوحي حقيقة علمية لازمة من البداية (آدم) لإرساء وقاعد لغة عالمية وعلوم أساسية بل ولازمة لمسيرة الإنسان بعد ذلك وفقاً لأطوار محددة لدقة نحو هدف سام وهو الوصول إلى الكمال البشري في مراحل لا تستغني عن البداية الأولى بل تأخذ بعضها بأعناق بعض من لدن آدم.



وبناء على ذلك، فإن العقل لا يستبعد نزول رسالات من السماء مع رسل للمتابعة والتعديل ولكن العقل يسأل هل الرسول حقيقي هل هو صادق في دعواه فيدل صدقه على صدق الرسالة ومن هناك كانت الرسل تؤيد بالمعجزات الحسية وأمور أخرى مصاحبة لها تدفع العقل للتفكر في الرسالة والاقتراب منها ومن ثم تصديقها وتنفيذها حتى انتهى المطاف برسالة خالدة محفوظة تحمل معجزتها فيها رسالة تليق بكمال البشرية العقلي.



إنه القرآن الكريم ، الرسالة الخالدة المحفوظة والعالمية والتي تحمل دليلها فيها وعلى العقل أن يسأل بحرية.



1 ـ هل القرآن وحي من الله للإنسان أم هو كلا بشر؟.



2 ـ هل هو الرسالة الوحيدة الخالدة المحفوظة أم هناك غيره؟.



3 ـ هل هو محلي أو عالمي؟.



وللإجابة عن السؤال الأول على العقل أن يدرس النص وفقاً لأصول علمية محايدة.



وللإجابة عن السؤال الثاني عليه أن يدرس النص دراسة مقارنة مع غيره.



وللإجابة عن السؤال الثالث عليه أن يدرس النص وفقاً لاحتياجات الإنسان العقلية والنفسية والمادية على المستوى العالمي لنرى هل يقدم حلولاً موافقة ومقومة لهذه الاحتياجات بحيث تحقق التوازن بين روح الإنسان وماديته وبين الإنسان والمجتمع من حوله.



والدراسات العلمية المحايدة بينت أن النص القرآني لا يمكن أن يكون من تأليف بشر فهو معجز في معانيه وبيانه وينطبق ذلك حتى على مستوى الحرف فيه وهو يخالف الجانب العقلي والعاطفي في الإنسان في توازن لا يمكن أن يأتي به بشر ولو اجتمعوا عليه بل ولقد أخبر عن الغيب فصدق ومن هذه الغيوب إشارات العلوم فيه والتي اشتملت على علوم من الذرة إلى المجرة علوم لم تكن معروفة عند نزول الوحي بل ولم يكن هناك حتى دليل ولو من بعيد عنها ثم دارت الأيام فإذا أدق وسائل التقنية تصور ما جاء القرآن وتؤكد صدق أخباره عن تلك الأخبار العلمية فمن أين جاء النبي الأمي بكل هذه العلوم؟.



والدراسة المقارنة بينه وبين الكتب الأخرى بينت أنه الوحيد الخالي تمام من التناقض والاختلاف والتحريف والتصحيف المنزه للألوهية وللرسل المكرمين والمتطابق في جميع نسخه في أي زمان ومكان. والدراسة العالمية بينت أنه يغطي على جميع جوانب الإنسان العقلية والنفسية والاجتماعية ويضع الحلول العالمية لمعادة الإنسان في إطار من العدل بين أفراده وتحقيق التوازن بين الجانب المادي والروحي للإنسانية.



وهنا يقر العقل بأن كتاباً بهذه الإمكانيات ورسالة بهذه الصفة لا يمكن أن تكون من فعل بشر، بل إن العقل يصل يقيناً أنها من وحي خالق البشر العالم بأحوالهم وأسرارهم وما يصلح لهم.



تعقيب:



للبحث السابق يعد دليلاً علمياً يقينياً على حتمية التكليم للإنسان من البداية، سواء من بدايته الأولى (آدم) أو من بدايته التالية بعد الولادة، حتى ينشأ البيان البشري الراقي، والبديل الوحيد لذلك هو البكم والتخلف العقلي، وهذا بالتالي يدل أيضاً على حتمية الوحي وأنه بديهة عقلية لأنه يشكل جزءاً لا يتجزأ من كيان الإنسان الراقي وبقيت قضية الشعر الجاهلي كمرجع يقاس عليه في قضية الإعجاز البياني للوحي تحتاج لمزيد من التعليق بأن اللغة كما بين علماؤها تمر بمراحل تبدأ بالطفولة ثم بقوتها ثم تنتهي باختلاطها وضعفها وهو منحنى معروف لعلماء اللغات بل إن ذلك المنحنى ينطبق على كل الكائنات الحية.



وفي حالة تحقيق الإعجاز البياني لا بد أن يكون الإسناد إلى قمة ما وصل إليه البيان ولأن القمة لا تكون دائماً فترة خاطفة بل تكون فترة ممتدة فهي بالنسبة للعربية شملت فترة من العصر الجاهلي وفترة من العصر الإسلامي ومن هذه الفترة جمع علماء اللغة بدقة وعلم وضبط مباني ومعاني اللغة ورسموا خطوط البيان ويبينوا ذلك بدقة مراعين الأمانة العلمية حتى أصبحت أعمالهم قانوناً ومرجعاً صالحاً لكل زمان ومكان، وعلى هذا الأساس يكون القياس والإسناد.



وعلى كل حال، فالإنسان هو الإنسان في أي مكان وزمان، ويحتكم إلى عامل مشترك العقل والعاطفة، فأي نص يخاطب العقل والعاطفة في توازن يوافق خلق الإنسان دون أن يخل بكفتي الميزان (العقل والعاطفة) يجب أن يوضع على مستوى القمة لغض عن الزمان والمكان فلو خاطب النص الإنساني بطريقة تحقق توازن يعجز عن الإتيان به فهذا نص معجز بيانياً فماذا لو كان النص معجزاً بكل المقاييس البيانية والعلمية والنفسية والاقتصادية وصالح للإنسان في أي زمان ومكان .. هنا يقف العقل ليقرر يقيناً أن هذا النص لا يمكن أن يكون من اختراع بشر بل لا بد وأن يكون وحياً من خالق الكون والبشر والعالم بأسرار خلقه .. هذا يقين أهل العرفان فما حجة المبطلين.



` ` `


Admin · شوهد 5 مرة · وضع تعليق
24 نوفمبر 2007 

معجزة السمع

في جميع الآيات القرآنية التي تحدثت عن السمع والبصر يقدم الله سبحانه وتعالى السمع على البصر... اللهم إلا أية واحدة... قدم فيها البصر على السمع حيث يصور بعض مشاهد يوم القيامة  ( ربنا أبصرنا وسمعنا)سورة السجدة - الآية (12).

فالمولود يتعلم بواسطة السمع أضعاف ما يتعلمه بواسطة البصر. والأصم منذ الولادة لا يستطيع أن يتعلم اللغة أبدا فهو أبكم... بينما المولود بدون نعمة البصر يستطيع أن يتعلم اللغة بل اللغات بكل يسر.

ويوجد مئات بل آلاف العباقرة من فاقدي نعمة البصر... إلا أنه من العسير أن نعد على الأصابع العباقرة من فاقدي نعمة السمع ، وخاصة إذا كان فقد السمع منذ الولادة أو في مرحلة الطفولة المبكرة.

ولهذا جاء في الآية الكريمة (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون(النحل أية (78).

فقدم الله سبحانه وتعالى ذكر السمع على البصر في معرض سياق الطرق الأساسية التي بها يكتسب الإنسان المعرفة.

حكمة تقديم السمع على البصر في القرآن

يقول الشيخ / محمد متولي الشعراوي – رحمه الله ( إن الإنسان حين يفقد بصره يفقد كل شيء، يعيش في ظلام دائم، لا يرى شيئًا على وجه الإطلاق، يصطدم بكل شيء، ولكن حين يفقد سمعه فإنه يرى، وحينئذ تكون المصيبة أهون، ولكن الله -سبحانه وتعالى- حين يذكر السمع يقدمه دائمًا على البصر.
إن هذا من إعجاز القرآن الكريم، لقد فضل الله -سبحانه وتعالى- السمع على البصر؛ لأنه أول ما يؤدي وظيفته في الدنيا، لأنه أداة الاستعداء في الآخرة؛ فالأذن لا تنام أبدًا.
إن السمع أول عضو يؤدي وظيفته في الدنيا، فالطفل ساعة الولادة يسمع عكس العين فإنها لا تؤدي مهمتها لحظة مجيء الطفل إلى الدنيا، فكأن الله -سبحانه وتعالى- يريد أن يقول لنا: إن السمع هو الذي يؤدي مهمته أولاً، فإذا جئت بجوار طفل ولد منذ ساعات، وأحدثت صوتًا مزعجًا فإنه ينزعج ويبكي، ولكنك إذا قربت يدك من عين الطفل بعد الميلاد مباشرة فإنه لا يتحرك، ولا يحس بالخطر، هذه واحدة، وإذا نام الإنسان، فإن كل شيء يسكن فيه إلا سمعه، إنك إذا أردت أن توقظ النائم ووضعت يدك قرب عينيه فإنه لا يحس، ولكنك إذا أحدثت ضجيجًا بجانب أذنه فإنه يقوم من نومه فزعًا، هذه الثانية. أما الثالثة فهي أن الأذن هي الصلة بين الإنسان والدنيا، فالله -سبحانه وتعالى- حين أراد أن يجعل أهل الكهف ينامون مئات السنين قال: (ضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدً)[ [الكهف: 11].
ومن هنا عندما تعطل السمع استطاعوا النوم مئات السنين دون أي إزعاج، ذلك أن ضجيج الحركة في النهار يمنع الإنسان النوم العميق، وسكونها بالليل يجعله ينام نومًا عميقًا، وهي لا تنام ولا تغفل أبدًا.
على أن هناك شيئًا آخر نلاحظه، هو أن الله -سبحانه وتعالى- يأتي بكلمة السمع مفردة دائمًا، وكلمة الأبصار مجموعة، يقول الله -سبحانه وتعالى- في سورة فصلت: (وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ[. (22- فصلت) لماذا تأتي كلمة السمع مفردة، وكلمة البصر مجموعة؟ مع أنه كان يمكن أن يقول: أسماعكم وأبصاركم، وكان من المنطقي أن يكون هناك سمع وبصر، أو أسماع وأبصار، ولكن الله -سبحانه وتعالى- بهذا التعبير الدقيق أراد أن يكشف لنا دقة القرآن الكريم، فالبصر حاسة يتحكم فيها الإنسان بإرادته، فأنا أستطيع أن أبصر ولا أبصر، وأستطيع أن أغمض عيني عما لا أريد أن أراه، أو أدير وجهي أو أدير عيني بعيدًا عن الشيء الذي أريد أن أتجاهله، ولكن الأذن ليس لها اختيار في أن تسمع أو لا تسمع، فأنت في حجرة يتكلم فيها عشرة أشخاص تصل أصواتهم جميعًا إلى أذنيك، سواء أردت أو لم ترد، أنت تستطيع أن تدير بصرك فترى منهم من تريد أن تراه ولا ترى من لا تريد رؤيته، ولكنك لا تستطيع أن تسمع ما تريد أن تسمعه، ولا تسمع ما لا تريده، قد تتجاهله وتحاول أن تبدو وكأنك لم تسمعه، ولكنه يصل إلى أذنيك سواء أردت أو لم ترد، إذن..

فالأبصار تتعدد، أنا أرى هذا، وأنت ترى هذا، وثالث يرى هذا، إلى آخر تعدد الأبصار، وإنسان يغمض عينيه فلا يرى شيئًا، ولكن بالنسبة للسمع فنحن جميعًا ما دمنا جالسين في مكان واحد، فكلنا نسمع نفس الشيء، ومن هنا اختلف البصر، ولكن توحّد السمع، كل واحد له بصر، ينظر به إلى المكان الذي يريده، ولكننا كلنا نتوحد في السمع فيما نريد وما لا نريد أن نسمع، ومن هنا جاءت كلمة الأبصار، بينما توحدت كلمة السمع، ولم تأت كلمة الأسماع، على أن الأذن مفضلة على العين، لأنها لا تنام، والشيء الذي لا ينام أرقى في الخلق من الشيء الذي ينام، فالأذن لا تنام أبدًا منذ ساعة الخلق، إنها تعمل منذ الدقيقة الأولى للحياة، بينما باقي أعضاء الجسم بعضها ينتظر أيامًا وبعضها ينتظر سنوات.
والأذن لا تنام، فأنت حين تكون نائمًا تنام كل أعضاء جسمك، ولكن الأذن تبقى متيقظة، فإذا أحدث أحد صوتًا بجانبك وأنت نائم قمت من النوم على الفور، ولكن إذا توقفت الأذن عن العمل فإن ضجيج النهار وأصوات الناس وكل ما يحدث في هذه الدنيا من ضجيج لا يوقظ النائم؛ لأن آلة الاستدعاء وهي الأذن معطلة، كما أن الأذن هي آلة الاستدعاء يوم القيامة حين يُنفخ في الصور.
والعين تحتاج إلى نور حتى ترى، تنعكس الأشعة على الأشياء، ثم تدخل إلى العين فترى، فإذا كانت الدنيا ظلامًا فإن العين لا ترى، ولكن الأذن تؤدي مهمتها في الليل والنهار، في الضوء والظلام، والإنسان متيقظ، والإنسان نائم، فهي لا تنام أبدًا ولا تتوقف أبدً) أ هـ.

وإذا ما نظرنا إلى جهاز السمع الذي حبانا الله تعالى إياه لوجدناه يتكون من الأذنين... ولكل أذن ثلاثة أجزاء  :

(1) الأذن الخارجية :وتشكل صيوان الأذن ، والقناة السمعية الخارجية ، وتنتهي عند طبلة الأذن ووظيفتها جمع الأصوات.

(2) الأذن الوسطى :وهى قناة عظمية غضروفية بها غشاء الطبلة وعظام الأذن الثلاثة (المطرقة - الركاب - السندان) ووظيفتهما نقل الأصوات إلى الأذن الداخلية

والأذن الوسطى مملوءة بالهواء ، وبها قناة توصلها بالبلعوم حتى يتعادل ضغط الهواء داخل الأذن الوسطى مع ضغط الهواء الخارجي ، وبالأذن الوسطى عضلات دقيقة تنقبض لاإرادياً كلما زادت شدةالصوت كي تقلل اهتزاز طبلة الأذن والعظام السمعية حتى لا يحدث ارتجاج عنيف يضر الأذن الداخلية.

(3) الأذن الداخلية :وهى مكونة من جهازين مختلفين تمام الاختلاف :

أ- أولهما...جهاز السمع المستقبل للأصوات والذي ينقلها بواسطة العصب السمعي إلى المخ.

ب- ثانيهما...جهاز للتوازن... وهو جهاز معقد أيضاً، وبواسطة قنوات هلالية متصلة يبعضها ، وبداخلها شعيرات تستطيع أن تميز أي حركة أو اهتزاز أو تغيير في وضع الأجسام... فترسل بذلك إشارات إلى المخ حيث يستقبل هذه المعلومات ويسجلها ويستفيد منها ، ثم يرسل أوامره إلى الجسم والعضلات لتتمشى مع هذا التغيير.

كيف نسمع بأذاننا :

ولتعلم - عزيزي القارئ - أنه لكي تستطيع الأذن أن تسمع صوت المخاطب وتميزه... فإن ذلك يتم بترتيب رباني محكم يبين عظمة الخالق ويستحق منا أن نطيل السجود والشكر لله الذي خلق فأحسن ، وصور فأبدع وشق السمع والبصر.

-   فيقوم (صيوان الأذن) بالتقاط الأمواج والاهتزازات الصوتية من العالم الخارجي، ويجمعها لتصل بصورة مركزة إلى (طبلة الأذن) التي تتكون من غشاء رقيق نسبياً.

-       ويؤدى وصول هذا الأمواج الصوتية إلى طبلة الأذن إلى حدوث اهتزازات في هذا الطبلة.

-   تنتقل هذه الاهتزازات من الطبلة إلى الداخل عبر ثلاث عظيمات دقيقة الحجم تستقر داخل الأذن المتوسطة تعرف بــ (العظيمات السمعية).

-   يرتكز الطرف الداخلي لهذه السلسلة المكونة من تلك العظيمات الثلاث على غشاء رقيق أخر يمتد على فتحة الأذن الداخلية، وهى فتحة صغيرة بيضية الشكل ، يطلق عليها اسم (الكوة البيضية).

-   يأخذ غشاء الكوة البيضية في الاهتزاز عند وصول الأمواج الصوتية إليه ، وبذلك تصل تلك الاهتزازات إلى الأذن الداخلية.

-   يتكون عضو الاستقبال في الأذن الداخلية من مجموعة من الأغشية الدقيقة التي تتواجد داخل ما يسمى بــ(قوقعة الأذن) وهى عبارة عن غرفة عظمية سميت كذلك لأنها تلتوي على شكل القوقع أو الحلزون. وعند وصول الاهتزازات الصوتية إلى أغشية القوقعة ينتقل تأثيرها إلى (النهايات العصبية) المتصلة بتلك الأغشية.

وتتجمع تلك النهايات ليتكون منها ( العصب السمعي) الذي ينقل تلك الإحساسات السمعية إلى الجزء المختص من المخ... حيث يستطيع الإنسان عندئذ إدراك تلك المؤثرات الصوتية والتمييز بينها.

وبذلك يكون وصول الأمواج الصوتية من الوسط الخارجي إلى المخ على الوجه التالي :

·   صيوان الأذن - الطبلة - العظيمات السمعية - غشاء الكوة البيضية - أغشية القوقعة - النهايات العصبية - العصب السمعي - المخ.

وتجدر الإشارة إلى أن طبلة الأذن لا تستطيع القيام بالاهتزازات المطلوبة على الوجه الأكمل إلا إذا كان الضغط الواقع على كل من سطحها الداخلي والخارجي متساوياً.

ولما كان السطح الخارجي للطبلة معرضاً للضغط الجوى فيجب أن يكون السطح الداخلي أيضاً معرضاً لمثل هذا الضغط.

ويتم التعادل عن طريق قناة خاصة يطلق عليها اسم (قناة إستاكيوس) وهى تمتد بين الحلق أو الزور وتجويف الأذن المتوسطة الذي تحده الطبلة من الخارج.

ومن سوء الحظ أن نزلات البرد والزكام قد تمتد أحياناً من الحلق  -عبر قناة إستاكيوس - إلى الأذن المتوسطة ، فإذا تكرر حدوث هذه النزلات فقد ينتج عن ذلك تغلظ الطبلة والعظيمات السمعية مما يؤدى إلى إصابة الإنسان بالصمم.

وتحتوى الأذن الداخلية - بالإضافة إلى القوقعة - على جهاز أخر على جانب كبير من الأهمية وهو ( جهاز التوازن )... ويتركب من ثلاث قنوات هلالية الشكل، تمتد متعامدة مع بعضها البعض ، وعن طريق هذه القنوات يستطيع الإنسان الاحتفاظ بتوازن الجسم ، ويؤدى حدوث أي اختلال في هذا الجهاز إلى إصابة الإنسان بالدوار... كما أنه يصبح غير قادر على الاحتفاظ بتوازنه عند الوقوف أو المشي مما يجعله يترنح ذات اليمين وذات الشمال كما لو كان سكيراً أو أفرط في الشراب.

وقد يحدث في حالات كثيرة - عند ركوب البواخر أو الطائرات أو السيارات لمسافات طويلة وفى طرق غير ممهدة - أن يؤدى اهتزاز الجسم بصورة مستمرة إلى التأثير على جهاز التوازن وينتج عن ذلك ما يعرف بــ (دوار البحر) أو (دوار الطائرات) أو السيارات.

السمع والتفكير :

يرتبط مركز السمع الثانوي الذي يميز كنه الأصوات بمراكز التفكير العليا في المخ ارتباطا وثيقاً ، وبذلك ترتبط وظيفة السمع بوظيفة التفكير. حيث أن المراكز البصرية تجاور مراكز التفكير العليا وتتصل بها اتصالا محكماً. وبذلك تترابط حاسة السمع والبصر بالقدرة على التفكير والتدبر.

السمع والتعلم :

يؤدى ارتباط مراكز السمع بمراكز التفكير العليا في المخ إلى قيام حاسة السمع بدور هام وأساسي في عمليات التعلم.

وتتأثر القدرة على اكتساب الخبرة إلى حد كبير عندما يصاب الإنسان بالصمم مثلما تتأثر قدرته على التعلم إذا أصابه العمى ما لم يتم تعويضه وإمداده بالمعلومات من طرق أخرى تحتاج إلى قدر من المعاناة. كما أن القدرة على الكلام تتأثر عندما يصيب الإنسان الصمم في سن مبكرة.

السمع والمخ :

عندما تصل النبضات الكهربية الآتية من العصب السمعي عبر المسارات المختلفة إلى مراكز السمع في المخ يبدأ إدراكها وتوظيفها في مركز ابتدائي للسمع ثم تنتقل إشارات جديدة من ذلك المركز الابتدائي إلى مركز آخر مجاور له يعرف بالمركز السمعي الثانوي.

ويحتوى المركز الثانوي على أرشيف لأصوات في مخزن ذاكرته ، ويبدأ المركز الثانوي في مقارنة الصوت المسموع بأصوات مختزنة في الذاكرة ، وبذلك يتم التعرف على إدراك كنهه.

تحديد مصدر الصوت :

يستطيع المخ أن يحدد بقدر المكان الذي ينبعث منه الصوت ، ويساعد على ذلك أن الموجات الصوتية تصل إلى كل أذن على حدة.

ويختلف توقيت وصولها حسب مصدر الصوت واتجاهه بالنسبة للأذنين ورأس الإنسان وبالتالي تصل النبضات الكهربية من الأذنين إلى مراكز السمع في نصف الكرة المخية الأيمن والأيسر بتوقيت مختلف يتوقف على المكان الذي ينبعث منه الصوت ، ويعين ذلك المخ على تحديد اتجاه الصوت ومنبعه ، ويساعد صيوان الأذن أيضاً على تحديد اتجاه الصوت ، فالأصوات الآتية من خلف الرأس تقل شدتها إلى حد ما عندما ترتبط بصيوان الأذن ، أما الأصوات الآتية من الجنب والأمام فيجمعها صيوان الأذن بسهولة وتكون أكثر وضوحاً.

الصوت ذلك العالم المثير

وطالما تطرق بنا الكلام للحديث عن الصوت فلا أقل من أن أتجول معك عزيزي - القارئ في جولة سريعة لنتعرف سويا على ذلك العالم المثير والملئ بالأسرار والمعجزات الإلهية. فالصوت عالم آخر مختلف ومثير قد لا نبالي به إلا في حالة إصابتنا بأمراض أو عندما تحتبس أصواتنا على سبيل المثال ، فطبقا للإحصائيات الأخيرة فان 10% من البشر  يعانون من أمراض في الصوت مختلفة : بحة حشرجة وقد يصل الأمر إلى احتباس تام في الصوت يحدث هذا وغيره نتيجة لسوء استخدامنا لأحبالنا الصوتية ، الأمر الذي يجعلنا نضحي بهذه النعمة العظيمة بأبخس الأثمان

الصوت وشخصية المتحدث

إذا كان الصوت انعكاساً لحضارات وثقافات وبلاد مختلفة فهو أيضا رسول صاحبه، فالصوت يعبر بنسبة 93 % عن جنسه رجلا كان أو امرأة، وبنسبة90% عن طبيعة شخصيته هل هي حماسية أم حيوية ؟ هل هو إنسان خجول أم كسول ؟ كذلك يعبر الصوت بنسبة 75% عن أصل الشخص الاجتماعي وعن صدقه. كما يعبر الصوت أيضا عن وطنيتنا وانتمائنا.

بصمة الصوت :

والأصوات كالبصمات لا تتطابق، فكل منا يولد بصوت فريد مختلف عن الآخر والأغرب من ذلك أن التوائم على الرغم من تطابقهم في كل شئ ليس فقط على الصعيد المادي المحسوس ، ولكن أيضا في الشكل والطول ولون الشعر والعينين ، والصعيد المعنوي أيضا إلا انه تختلف أصواتهم .وهناك قصة شهيرة لتوأمين أمريكيين انفصلا بعد ولادتهما عن بعضهما لتتولى تربيتهما عائلتان مختلفتان وفى ولايتين أيضا تبعد الأولى عن الثانية عدة أميال وبعد عمر طويل تلاقيا ليكتشفا أن كلا منهما مر بنفس الظروف النفسية، واتخذانفس المهنة وتزوجا فتاتين تحملان نفس الاسم ، ولكن المدهش أنه على الرغم من هذا التشابه الكبير إلا أن لكل منهما صوتا مختلفا يميزه عن الأخر...

إنه إعجاز رباني يفوق تخيل العقل البشرى المحدود ‍‍!!

وإذا اعتبرنا الصوت موهبة فهو إذن يحتاج إلى التنمية والازدهار مثل غيره من المواهب. فليحافظ كل منا على صوته حتى لا يفقده رنة الشباب الخاصة ولا يعرضه للشيخوخة.

عندما يخون الصوت صحابه  !!

يكشف الصوت عن الصراعات، ويعبر عن الأمل، ويفضح الغضب أو الخوف، ويعبر عن نفسية المتحدث، فالإنسان السعيد الذي يتمتع بصحة نفسية سليمة يتمتع أيضا بصوت ملئ بالحيوية والانتعاش على النقيض من الإنسان المطحون أو الذي يعانى من مشاكل نفسية فصوته يقترب من الأنين.

وقد يخون الصوت صاحبه أكثر من نظرة عينيه، وقد يصل عند بعض الناس  وخاصة السيدات إلى حد فقد القدرة على الكلام بدلا من الإفصاح عما يجول بخاطرهم. إنه نوع من الهروب النفسي وكبت المشاعر.

وهذه الحالات يقف الطب التقليدي عاجزا عن علاجها. ويرى المتخصصون الذين لا يهتمون إلا بالأحبال الصوتية أو الحنجرة أن هؤلاء المرضى يتظاهرون ، أو هم مصابون بوسواس المرض أو متخلفون عقليا.

ولكن القدرة على الكلام أبسط من ذلك بكثير من جهة نظر الأطباء النفسيين ، فهو يحمى بعض التعبيرات اللاإرادية والتي من الأفضل عدم الإفصاح عنها.

فإذا كان الصوت يخون الأحاسيس فإن فقدانه يحافظ عليها ويمنع من أن يهرب منا تعبير أو تفضحنا نبرات؛وفى هذه الحالات لا يفيد شيئا استخدام الوسائل العلاجية أو تدخل الليزر بل على النقيض قد تسبب أضرار خطيرة.الوسيلة الوحيدة للعلاج هي البحث عن تفسير نفسي للأمر

لا تسرف في استخدام صوتك وإلا ؟؟

فإنه كثيرامن الأحيان يعانى البعض من اضطرابات في الصوت وتعثر في الكلام ، وعادة ما تكون  نتيجة لأسباب مرضية.. مثل التهاب الحنجرة والأحبال الصوتية أو لأسباب نفسية.

وبصفة عامة هناك ثلاثة أصوات مختلفة للفرد الواحد أو بمعنى أدق هناك ثلاث طرق مختلفة للتعبير يتغير فيها الإلقاء والنبرة نظرا لاختلاف المواقف.

·   الأول هو صوت ( التعبير البسيط ) : ونحن نستخدمه عادة لنقل معلومة لنتحدث عن الجو، للمجاملة. والذي يميز هذا الصوت أننا لا نبالي بمن يسمعنا.

·   ثم تأتى مرحلة أخرى.وهى مرحلة ( التصميم في التعبير ) فيحدث تغيير في نبرة الصوت وفى طبقاته. وهذا النوع نستخدمه للتأكيد على شيء أو للأمر أو للاستفهام ، وهنا لا نتكلم من أجل الكلام فقط ولكن بهدف محدد وواضح فنتجه بأنظارنا إلى المستمع وتنتبه معظم أعضاء الجسم تماما.

·   ثم نأتي لنوع آخر. وهو (الاستغاثة في التعبير) :ونحن نستعمله للتحذير أو للاستغاثة. مثل منع طفل من عبور الطريق أو لمس الكهرباء... الخ.

·   هذا الأسلوب التعبيري إذا استخدم بطريقة منتظمة لا يسبب أضرار أو عواقب وخيمة. ولكن يصبح خطيرا إذا أساء المرء استعماله.

فالتصادم العنيف للأحبال الصوتية يؤدى إلى تكون جلطات صغيرة(دوالي) في نقطة الالتقاء. وهذه الجلطات تمنع التصاق الحبال الصوتية وتعوق الصوت ، وفى هذه الحالة يصاب الصوت بالبحة ، وفى بعض الأحيان تتفاقم هذه العقد ويصعب علاجها طبيا وتستلزم تدخل الليزر ، وتتم العملية بالتخدير الكامل ولا تتطلب أكثر من 6 أو 7 دقائق.

الصوت وأثر التدخين عليه :

من المشاكل الخطيرة التي تصيب الحبال الصوتية مسألة الدوالي. ففي 90% من الحالات نجد دوالي هائلة على الحبال الصوتية وسببها المباشر هو التدخين. وقد لا يقف الأمر عند هذا الحد. بل يتزايد ليتحول إلى أمراض خطيرة مثل السرطان وتتفاوت الإصابة باختلاف طبيعة الأفراد واختلاف درجة حساسيتهم للنيكوتين..

ويؤثر التدخين على نبرة الصوت ـ وقد يتطلب تدخلا جراحيا لإعادة الصوت إلى طبيعته أو استخدام الليزر لتشذيب الحبال الصوتية.

هنا أيضا بعض الأدوية التي تؤدى إلى تغيير نبرات الصوت وخاصة الأدوية التي تحتوى على هرمونات الذكورة ، ويختلف الأثر الذي يتركه الدواء باختلاف حساسية الأفراد ، ولا بد أن يتنبه الطبيب منذ البداية فإذا حدث تغيير معين في الصوت يتم استبعاد هذا الدواء..فكلما زادت جرعة العلاج كلما زادت المشكلة خطورة.

الصوت والكشف عن الجريمة :

بدأت أجهزة الشرطة في الاستعانة بذبذبات الصوت للكشف عن المجرمين وخاصة في حالات  البلاغات المجهولة التي تتم عن طريق الهاتف.

ويتم ذلك عن طريق رسم بياني للصوت يحدد ثلاثة أبعاد  الوقت - القوة - الذبذبات... كما أنه يوجد مدى صوتي مثلما يوجد مدى حيوي.

 فإذا حدث وفتح باب مطعم مثلا نجد جميع الحاضرين وعلى الطاولات المختلفة يخفضون أصواتهم بطريقة أوتوماتيكية.

وسيظل هذا العالم المثير ميدان بحث دائم لكثير من المجالات والتي تظهر كل يوم الجديد والغريب في هذا المجال ، وهذا ما ستكشفه لنا الأيام المقبلة بإذن الله.

السمع والكلام  :

ولا تقتصر فائدة الأذن على عمليتي السمع والتوازن فقط بل إن لها أهمية قصوى في عملية الكلام. فالمعروف أن الإنسان يمتاز عن باقي المخلوقات بقدرته على الإفصاح عما يريد عن طريق اللغة التي يتخاطب بها مع الآخرين.

صحيح أن هناك عدة أنواع من الوسائل الصوتية أو الشمية أو غيرها مما تستخدمه مجموعات مختلفة من الحيوانات. كالأسماك أو الطيور أو الحشرات للتفاهم فيما بينها. ولكن جميع هذه الوسائل لا ترقى بأي حال من الأحوال إلى مستوى اللغات البشرية من حيث الدقة أو الشمول.

والمعروف أيضاً أن الأطفال عندما يخرجون من بطون أمهاتهم لا يعرفون شيئاً عن الكلام بل يتعلمونه في السنوات الأولى من أعمارهم عن طريق المحاكاة ، فهم يقلدون الأصوات التي يسمعونها ممن حولهم وشيئاً فشيئاً يستطيعون النطق ببعض الألفاظ البسيطة أولاً، ثم الألفاظ المعقدة بعد ذلك، وهكذا تدريجياً إلى أن يصبحوا قادرين على الكلام كغيرهم من بني الإنسان.

وهذه العملية لا يمكن حدوثها على الإطلاق ما لم يكونوا قادرين على سماع الأصوات التي تتردد حولهم. وبمعنى أخر فإنهم لا يستطيعون الكلام ما لم يكونوا متمتعين بحاسة السمع. وهذا هو السبب في أن الطفل الذي يولد وهو مصاب بالصمم يصبح بعد ذلك أبكم لا يتكلم في مستقبل حياته.

كلمة أخيرة

إن السمع نعمة جليلة ومنة عظيمة من الله سبحانه وتعالى. وما أحرى المرء أن يشكر ربه بحسن استخدامه لنعمه لا يكفره بسوء استخدامها والتفريط فيها.

لعلك - عزيزي القارئ - بعد هذه الكلمات الموجزة أدركت أن حاسة السمع تحتل مركز مرموقا بين حواس الإنسان جميعها نظرا لأهميتها القصوى في حياة كل فرد من بني البشر.

Admin · شوهد 10 مرة · وضع تعليق
24 نوفمبر 2007 

الماء الدافق تركيبه خصائصه


في هذا المقال إشارة لما ورد في الآيات القرآنية الكريمة ﴿فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمّ خُلِقَ. خُلِقَ مِن مّآءٍ دَافِقٍ﴾ الطارق 5-6، من حيث ماهية الماء الدافق، ما هو تركيبه وخصائصه التي تجعله دافقاً متدفقاً، سريع الحركة؟، هل يجب أن يكون هذا الماء متدفقاً؟، ماذا لو تباطأ في جريانه، هل يكون ساعتها قادراً على الإخصاب؟، كل ذلك وغيره سنتناوله في هذا المقال. ولكن دعونا بداية نقدم للموضوع حتى نتمكن من فهم أعمق وتركيز أدق لقضية ليست فقط من أوائل بل هى أيضاً أول القضايا التي ناقشها الإسلام والقرآن على الإطلاق.   



يقول الله جل وعلا في كتابه الكريم وهو أصدق القائلين﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5) ﴾ العلق 1-5،  هذه الآية الكريمة هي أول ما نزل من القرآن الكريم على خير خلق الله محمد بنعبد اللهصلي الله عليه وسلم، وكثيراً ما يستدل العلماء والراسخون في العلم بهذه الآية للدلالة على أهمية العلم في الإسلام لما فيها من إشارات وأوامر بالقراءة والكتابة والفكر والتفكر، ولكنها وهي الآية الأولى نزولا في القرآن الكريم تلفت النظر أيضاً إلى شيء أخر عظيم وجليل، إنه خلق الإنسان، وأن على الإنسان أن يعلم أن خالقه هو الله عز وجل وأن أحد مراحل خلقه وتكوينه في رحم أمه هي العلقة، وأنه جل شأنه علمه ما لم يكن يعلم.



هذه كانت أول آية نزلت من القرآن الكريم وتناولت مباشرة قضية خلق الإنسان في إشارات محكمة تحتاج إلي شيء من التفصيل، وهذا في الحقيقة من أساليب القرآن المعجزة في تناوله للعديد من القضايا والقصص القرآني فهي تأتي محكمة موجزة أحيانا وتأتي مفصلة دقيقة واضحة في أحيان أخري، وسبحان الله العظيم القائل عن كتابه الكريم ﴿كتاب أحكمت آيته ثم فصلت من لدن حكيم خبير ﴾ هود 1.



في هذا السياق نجد أن تفاصيل أكثر عن مراحل خلق الإنسان - وكيف يتكون ومتى يخرج من رحم أمه للدنيا الواسعة - جاءت في سورة "المؤمنون" حيث يقول الخالق عز وجل ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِى قَرَارٍ مَّكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا ءَاخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ * ثُمَّ إِنَّكُم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَـيِّـتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُون المؤمنون (12ـ 16)،



قد يكون من الملفت للنظر هنا ورود تفصيل أطوار خلق الإنسان في سورة من سور القرآن تحمل اسم "المؤمنون"، وكأن الإيمان بالخلق من تمام الإيمان بالله وقدراته الخالقة اللانهائية، لا سيما إذا علمنا أيضا ومن القرآن الكريم أننا نحن بني البشر لم نرى بأم أعيينا أنفسنا ونحن نخلق حيث يقول الله عز وجل في سورة الكهف ﴿ ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا ﴾ الكهف 51، ويقول جل شأنه ﴿والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون ﴾ النحل 78.



 وكما لم نرى خلق أنفسنا في بدء الحياة لن نرى خلق أنفسنا أيضا يوم البعث. وقد روي البخاري عن رسول الله - صلي الله عليه وسلم - في صحيحه محدثاً عن البعث قال: حدثني ‏ ‏محمد ‏ ‏أخبرنا ‏ ‏أبو معاوية ‏ ‏عن ‏ ‏الأعمش ‏ ‏عن أبي صالح ‏ ‏عن ‏ ‏أبي هريرة ‏ ‏رضي الله عنه ‏ ‏قال:قال رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏ما بين النفختين أربعون قالأربعون يوما قال أبيت قال أربعون شهرا قال أبيت قال أربعون سنة قال أبيت قال ثم ينزل الله من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل ليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلا عظما واحدا وهو عجب الذنب ومنه يركب الخلق يوم القيامة.



 الحديث يصف لنا بشكل دقيق مرحلة إنبات الإنسان يوم القيامة، إنباتا يشبه إنبات نبات البقل في الدنيا، ولكن هل سنرى ذلك الإنبات يوم القيامة؟، الحقيقة لا، حيث يقول الله جل وعلا في القرآن الكريم ﴿يوم تشقق الأرض عنهم سراعا ذلك حشر علينا يسير ق 44، ويقول ﴿ يوم يخرجون من الأجداث سراعا كأنهم إلى نصب يوفضون﴾المعارج 43، ويقول أيضا  ﴿ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون﴾ الزمر 68.



هذه الآيات الكريمات تشير بل تأكد على أن الإنسان لا ولن يشهد إعادة خلقه وتركيبه يوم القيامة، تماما كما لم يشهد خلقه وتركيبه في الحياة الأولى، ومن هنا لزم الإيمان والتسليم بذلك، ومع ذلك وحتى تطمئن قلوب المؤمنين ويهتدي إلى الله الحائرين، فقد أودع الله في الأرض التي نعيش عليها، الكثير والكثير من الأمثلة التي تدل على الخلق والبعث لمن أراد أن يتذكر، بداية من داخل أنفسنا حيث يقول الباري تبارك وتعالى ﴿وفي أنفسكم أفلا تبصرون الذاريات 21، ويقول جل شأنه بشكل تفصيلي ﴿يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج الحج 5، ويقول تبارك وتعالى عن مخلوقات أخرى أكبر منا وأعظم نراها رأي العين ﴿أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم وجعل لهم أجلا لا ريب فيه فأبى الظالمون إلا كفورا (الإسراء 99).



هذه الإشارات الربانية الرائعة والتي بكل تأكيد كانت غيباً لا يستطيع أحد أن يراه أو يحسه في العصور الأولى، فأكثر ما كان يعرفه الإنسان في عصر النبوة الأول عن الحمل والولادة، ما هو ظاهر منه يروه بأعينهم ويلمسوه بأيدهم ولم يكن أحد منهم يعرف مراحل تكوين الجنين بهذا التسلسل والتنظيم، منذ أن يصبح الإنسان نطفة يقذفها الرجل في رحم المرأة حتى تكون الجنين وخروجه في صورة الإنسان الكامل إلى الدنيا الواسعة بكل ما فيها ومن فيها وسبحان الله القائل ﴿مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا .وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا نوح 13-14.



تطورت الدنيا وازدهر العلم وأفرز البحث العلمي الدقيق العديد والعديد من الأجهزة والمعدات التي تصور ما يجري داخل بطن الأم لحظة بلحظة ودقيقة بدقيقة. واكتشف العلماء مراحل تكون الأجنة في بطون أمهاتها، وليس عجيبا أبداً أن نري التطابق التام بين ما أظهره العلم الحديث وما جاء في القرآن الكريم الذي يقول فيه رب العزة تبارك وتعالى ﴿سنريهم آيتينا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبن لهم أنه الحق ويقول أيضا جل شأنه ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا(النمل: 93).



ودعونا نأخذ خيط الكلام من هذه الآية الكريمة ونقول إن بحثنا وتفكرنا في آيات الله وربطها بالعلم الحديث ومنجزاته لا يخرج عن توضيح مراد الله عز وجل والدعوة لدينه الحنيف وكتابه العظيم الذي﴿لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد﴾ فصلت 42،فلا عقل ولا منطق لهؤلاء العلماء والمكتشفين من أي جنس كانوا وبأي ملة أو دين اعتقدوا أن يرفضوا ما عملته أيدهم وما شاهدته أبصارهم وما أنجزته عقولهم وأبحاثهم، لا سيما عندما يعلم هؤلاء العلماء أن ما وصلوا إليه من علم قد أشير إليه وبالتفصيل في آيات القرآن الكريم منذ ما يزيد عن ألف وأربعمائة سنة من الزمان وأن الذي بلغ هذا عن الله الخالق إنما هو محمد ابن عبد الله– صلي الله عليه وسلم -  النبي الأمي الكريم الذي لا يقرأ ولا يكتب، ولم يدرس لا علم الأجنة ولا علم البيولوجيا ولا أي علم من العلوم الأخرى، وحتى لو درس - وهذا لم يحدث -  فإمكانات العلم والعلماء في هذا العصر كانت ضحلة جداً وضعيفة للغاية، ولا تقارن بأي حال من الأحوال بما وصل إليه العلم في العصر الحديث،  وسبحان الله القائل ﴿ذلك الكتاب لا ريب فيه هدي للمتقينالبقرة1.



ومن منطلق دعوة الله لنا للتفكر والبحث في كيف بدأ الخلق حيث يقول سبحانه ﴿قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة إن الله على كل شيء قديرالعنكبوت 20، دعونا نبحر سوياً في دقة النظام الآلهي، وحساباته الدقيقة التي لا تختل، وسنتناول في هذا المقال الماء الدافق، ولماذا هو دافق؟، ما هي العوامل التي أودها الله عز وجل فيه لتساعده على التدفق؟، ولماذا لا يقوم بوظيفته وهي التخصيب إذا ما قلت قدرته على التدفق أو ضعفت؟، وللإجابة على هذه الأسئلة هيا بنا نغوص معاً في بحر ممتزج ماءه بالعلم والقرآن ولنعش سوياً دقائق في رحاب آيات الله حتى يتبن لي ولكم ولهم أنه الحق.



في البدء كان الماء فقط



يقول الله عز وجل في محكم كتابه ﴿والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع يخلق الله ما يشاء إن الله على كل شيء قدير النور 45، ويقول أيضا ﴿وجعلنا من الماء كل شيء حيالأنبياء 30، ويقول جل شأنه ﴿ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين السجدة 8، نعم كل مخلوق حي يدب على الأرض خلقه الله من ماء وفي هذا الصدد نورد الإحصاء الآتي ليتبين لنا محتوى بعض أعضاء جسم الإنسان من الماء فيشكل الماء 90% من مخ الإنسان و 70% من مكونات القلب و 86% من الرئتين والكبد، 83% من الكليتين، 75% من عضلات الجسم المختلفة و 83% من الدم. ويكون الماء حوالي 60-95% من مجمل أجسام الأحياء الراقية كالحيوانات والنباتات والإنسان، كما يكون حوالي 90% من أجسام الكائنات الحية الدقيقة مثل البكتيريا والفطريات والطحالب.



وسبحان الله العظيم الحكيم الذي أفرد للماء من دون سائر مخلوقاته مكانة عظيمة ودوراً كبيراً، فقبل الخلق أي خلق، وقبل السموات والأرض كان هناك الماء حيث يقول عز من قائل ﴿وكان عرشه على الماءهود 7، وعندما أراد الله أن يخلق خلقاً على الأرض خلقهم جميعا من ماء حيث يقول تبارك وتعالى ﴿والله خلق كل دابة من ماءالنور 45، ثم إذا أراد الله بقدرته وحكمته وفي الوقت الذي يريده أن ينهي الحياة على الأرض - إذانا بحلول يوم القيامة – نزع منها الماء مصداقاً لقوله عز وجل ﴿وإذا البحار سجرت﴾ التكوير 6، أي اشتعلت وتحول الماء ناراً، ونضبت معطيات ومقومات الحياة على الأرض، ليس ذلك فحسب بل سينعم المؤمنون بالماء ويعذب المعذبون في النار أيضا بالماء حيث يقول الله عز وجل عن أصحاب الجنة أن لهم فيها انهار من الماء الدائم الصلاحية للشرب ﴿ مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى ولهم فيها من كل الثمرات ومغفرة من ربهم كمن هو خالد في النار وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم﴾ محمد 15، ويقول عن شراب أهل النار ﴿وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا وغرتهم الحياة الدنيا وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرونالأنعام 70، ويقص الحكيم العليم عن حال أهل النار بأنهم يستجدون الماء من أهل الجنة فيقول ﴿ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله قالوا إن الله حرمهما على الكافرين﴾ الأعراف 50.



السؤال الذي قد يتبادر إلى الذهن الآن هو: هل الماء الذي يخلق منه الإنسان هو نفسه الماء الذي نشرب؟، وإذا لم يكن الماء الذي نشرب فماذا يكون؟، وما هي مواصفاته وأسراره الخفية التي تحوله من ماء مهين إلى إنسان عاقل راشد ملء السمع والبصر؟.



الماء الدافق تركيبه خصائصه



يقول الله تعالى في محكم التنزيل وهو أصدق القائلين: ﴿فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمّ خُلِقَ. خُلِقَ مِن مّآءٍ دَافِقٍ. يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصّلْبِ وَالتّرَآئِبِ. إِنّهُ عَلَىَ رَجْعِهِ لَقَادِرٌ. يَوْمَ تُبْلَىَ السّرَآئِرُ. فَمَا لَهُ مِن قُوّةٍ وَلاَ نَاصِرٍ﴾ الطارق 5-10؛ ويقول أيضاً جل شأنه ﴿ أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ﴾ يس:71، والمقصود بالماء الدافق هنا هو مني الإنسان لكونه مكون في معظمه من الماء حيث يمثل الماء منه حوالي 90% والباقي عبارة عن الحيوانات المنوية التي لا تمثل إلا نسبة ضئيلة من هذا الماء تتراوح بين 1 إلى 5% فقط من مكونات الماء المنوي للإنسان أما باقي المكونات الأخرى فتمثل حوالي 1-10% منه في أحسن حالتها.



هذه المكونات هي الفوسفات (0.09 ملجم/مللي) والسترات (8.13 ملجم/مللي) والبوتاسيوم (1.75 ملجم/مللي) والجلوكوز(1.02 ملجم/مللي)  والفركتوز (2.72 ملجم/مللي) وحامض اللاكتيك (0.62 ملجم/مللي) واليوريا (0.45 ملجم/مللي) وبروتينات (5.00 جم/مللي) وكالسيوم (1.01 ملجم/مللي)  وماغنسيوم (0.92 ملجم/مللي) وزنك (0.34 ملجم/مللي).



لماذا تذوب هذه العناصر في الماء المنوي؟ ولماذا الماء تحديداً؟



من ظاهر الآية الكريمة ومن التركيب الكيميائي الذي أوضحناه لمني الإنسان فإن هذا الماء الدافق يمثل ما لا يقل عن 90% من محتويات الماء المنوي للرجل، وباقي المكونات هي عبارة عن مواد ذائبة بما فيها الحيوان المنوي نفسه. هذه في الحقيقة احدي الخصائص الفريدة التي أختص الله عز وجل بها الماء، فقد يستحيل وجود الماء نقياً في صورة عنصري الهيدروجين والأوكسجين المكونين له فقط، فالماء يطلق عليه وصف "المذيب العام" ذلك أن أغلب المواد تذوب في الماء، ولكن بدرجات متفاوتة وبدون أن يتفاعل معها. وهذا على عكس المذيبات العضوية الآخري، التي لا تستطيع إذابة أي مادة دون التفاعل معها.



على سبيل المثال، يذوب السكر في الماء عن طريق تداخل جزيئات الماء داخل جزيئات السكر، حيث تقوم بعزلها فيزيائياً، والاحتفاظ بها داخل الفراغات الموجودة بين جزيئات الماء، وبالتالي يذوب السكر عن طريق انتشار جزيئاته بين جزيئات الماء دون التفاعل معه،  لهذا السبب، نجد أن محلول السكر في الماء المقطر، يكون غير قابل للتوصيل الكهربائي نتيجة عدم تكون أيونات حرة من عملية الذوبان الفيزيائي للسكر، حيث تعمل هذه الأيونات الحرة على حمل إلكترونات التيار الكهربائي في الماء.



 وعليه يحدث تعظيم للاستفادة من المواد السكرية الموجودة في الماء المنوي حيث يعتبر سكر الفركتوز والجلوكوز هما مصدر الطاقة الرئيسي الذي يتغذي عليه الحيوان المنوي أثناء رحلته الشاقة للتخصيب،بمعني آخر لم يكن يصلح أن يحل سائل آخر محل الماء كأحد المكونات الرئيسية للماء المنوي للإنسان بأي حال من الأحوال، ولو حدث هذا لما حدث التخصيب أبداً ولتفاعلت مكونات الماء المنوي مع الماء أو السائل الأخر المفترض غير الماء، وما وجد الحيوان المنوي ما يغذيه ويمده بطاقته وحيويته اللازمة لإتمام رحلته حتى الوصول للبويضة وتخصيبها..



التوتر السطحي للماء المنوي



في قوله تعالى: ﴿خُلِقَ مِن مّآءٍ دَافِقٍ﴾ الطارق 6، وقوله تعالى ﴿ أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ﴾ يس:71، فالماء الدافق والنطفة تعبير وصفي للمني لأنه سائل تركيبه يماثل قطرات الماء أي يتكور ليعطي مني في شكل قطرات الماء. من خصائص الماء الفريدة توتره السطحي العجيب، ولنفهم ذلك دعونا نضرب مثلاً كلنا يشاهده يومياً، فعند وضع سائل ما – أي سائل - في إناء فإن الرابطة التي تربط جزيئاته بعضها ببعض تنقطع عند السطح، ونتيجة لذلك تبدو جزيئات سطح السائل مجذوبة نحو الداخل، هذه الظاهرة تسمي بالتوتر السطحي وتقاس بالقوة المؤثرة على وحدة الأطوال (داين/سم). ووفقا لهذه القوة يبدو سطح السائل كقطعة جلد مشدودة على إطار.



باستثناء الزئبق فإن عنصر الماء يمتلك أعلى قوة توتر سطحي بين جميع السوائل. تبدو هذه الظاهرة جلية عندما نملأ كوبا بالماء إلى حافته ولا ينسكب. وعندما نرى العناكب تسير على سطح المياه الراكدة دون أن تبتل أقدامها وكأنها تسير على سطح صلب. وهي التي تعطي ميل الماء إلى التكور على هيئة قطرات بدل الانتشار على السطح الذي يسكب عليه، وهذا هو الوصف الدقيق المعجز الذي وصف الله جل شأنه به المني بأنه نطفة أي أنه ينزل من منبته قطرة قطرة وما ذلك إلا لأنه من ماء ذو قوة شد وتوتر سطحي يجعله ينزل في شكل هذه القطرات.



ولعل من أهم خصائص الماء الناتجة عن التوتر السطحي هي قدرة الماء الفائقة على تسلق جدران الوعاء الذي يوضع فيه، وكلما كان قطر الجدار الذي يتسلقه صغير كلما أرتفع فيه مسافة أعلى. هذه الخاصية الحيوية للماء والمعروفة باسم الخاصية الشعرية هي التي تتيح للماء - والأملاح المذابة فيه- فرصة الحركة من جذور النباتات إلى أعلى أغصانها، كما أنها المسئولة عن سريان الدم في الأوعية الدموية الدقيقة في أجسام جميع الكائنات الحية، وبكل تأكيد فإنها أحد عوامل تدفق الماء المنوي وسهولة جريانه داخل أنابيب التبويض الأنثوية، كما أحب أن اسميه بدلا من تسمية السائل المنوي. فالسائل قد يكون ماءاً وقد يكون عنصراً أو مركب آخر، ولكن وبما أن النطفة تحتوي على أكثر من 90% من حجمها ماء فلها كل الحق أن نسميها الماء المنوي كما وصفها الله عز وجل في قرآنه العظيم بالماء الدافق.



العناصر المعدنية المكونة للماء المنوي عوامل تساعد على تدفقه



من المعروف أن الماء المنوي ونتيجة لما هو مذاب فيه من عناصر معدنية ذو وسط قلوي، ورحم الأنثى ذو وسط حامضي فعند نزوله وتدفقه داخل الرحم يحدث تعادل بين الحمضية والقلوية، وما ذلك إلا لحفظ الحيوانات المنوية من الموت بالأحماض بعد نزولها في الرحم، ألا ترون معي أن هذه الحسابات الدقيقة بل الغاية في الدقة لا يمكن أن يدقنها بشر بأي حال من الأحوال، وأري أن ذلك ينطبق عليه قول الله عز وجل: ﴿ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ﴾ فصلت 53.



  المكونات المعدنية الآخري المذابة بقدرة الله في الماء المنوي قد يكون لها أيضاً دور في حركة وتدفق مني الرجل داخل رحم المرأة، فهو "أي الماء المنوي" يحتوي على عناصر معدنية مثل البوتاسيوم والكالسيوم والصوديوم والزنك وجميعها تحمل شحنات كهربية موجبة أما السترات والفوسفات والأحماض وغيرها من المكونات الآخري فتحمل شحنات سالبه، هذا يعني أن مكونات الماء المنوي للرجل تكون في حاله من التعادل الكهربي للشحنات ومترابطة بعضها مع بعض.



هذا التعادل يمنع أيضاً تفاعل مكونات الماء المنوي مع أسطح خلايا رحم المرأة والتي تحمل أسطحها شحنات سالبة فيمنع هذا التعادل ما قد يحدث من عمليات جذب كهربي مغناطيسي بين الماء المنوي وجدر الخلايا الأمر الذي يسهل من حركته داخل الرحم وتوفيره الطاقة اللازمة لإمداد الحيوان المنوي بما يحتاجه منها اثنا رحلته بحثاً عن البويضة لتخصيبها. فلو لم يحمل الماء المنوي هذه الشحنات المتعادلة وحمل بدلاً منها شحنات سالبه فقط أو موجبة فقط لتنافر السائل أو تجاذب مع أسطح الخلايا التي يمر عليها ولتبعثرت حركته وفقد تدفقه بعد فترة وجيزة وما حدث التخصيب أبداً، وسبحان الله العظيم جل شأنه القائل ﴿إنا كل شيء خلقناه بقدر.



أما البروتينات فتمثل حقيقةً أكبر نسبة من بين مكونات الماء المنوي (5 %) وهذه البروتينات هي مصدر للأحماض الامينية المغذية للحيوان المنوي، كما إنها تحتوي على مادة "بروستاجلاندين" التي تؤدي إلي تقلصات في الرحم، وظيفة هذه التقلصات هي امتصاص السائل المنوي لأعلي، إلي داخل الرحم، ثم إلي قناتي فالوب، اليمني واليسري، تنتظر البويضة في احدي القناتين، كما إنها تحتوي على بعض الإنزيمات التي تمنع تجلط الماء المنوي وبالتالي المحافظة على سيولته بشكل دائم الأمر الذي يساعد على سهولة تدفقه وانزلاقه داخل الرحم.



الحيوان المنوي صممه الخالق عز وجل ليتدفق



يتكون الحيوان المنوي من رأس و عنق و ذيل. يحتوى الرأس على النواة الحاملة للمادة الوراثية (الكروموسومات) التي تتفاعل مع  المادة الوراثية الخاصة بالبويضة لتنشأ خلية الجنين الأولى. تعلو الرأس حويصلة تسمي "أكروسوم" تحتوي على إنزيمات مذيبة، تذيب جدار البويضة لكي يتمكن الحيوان المنوي من اختراقها. أما الجزء الوسطي والذي يحتوي على العنق فهو مصنع الطاقة التي تتيح للذيل أن يتحرك ليدفع الحيوان المنوي إلى الأمام ويحقق تدفقه الذي أراده الله له. بالجزء الوسطي بين الرأس والذيل - كما هو واضح في الشكل المرفق - جزء خاص حلزوني الشكل يسمي "الميتوكندريا الحلزونية"، وهو عبارة عن مصانع صغيرة للطاقة، ويعتبر أي نسيج بشري نشيطاً بقدر ما يحتويه من أعداد كبيرة من الميتوكوندريا.



هذه الميتوكوندريا تقوم بإنتاج مركب كيميائي يطلق عليه اسم "الادينوسين ثلاثي الفوسفات" ويطلق عليه اختصاراً "ِATP". ويعتبر "ِATP"  الطاقة أو البطارية الكهربائية اللازمة لتحريك كافة أنشطة وعمليات الجسم المختلفة في الإنسان الكامل، ناهيك عن دفع الحيوان المنوي وإمداده الذيل بالطاقة اللازمة لتحركه وبالتالي دفع الحيوان المنوي للأمام داخل الرحم. وهنا يأتي دور مكونات الماء المنوي الذي شكلها الله عز وجل كل له وظيفته التي تتم بكمية معينة وفي وقت معين وسبحانه القائل في محكم التنزيل ﴿أفرأيتم ما تمنون * أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقونالواقعة 58-59، فيتم أنتاج هذا إل ِATP"" من خلال عملية تكسير للجلوكوز والفركتوز - الموجودين ضمن مكونات الماء المنوي – أثناء عملية بيوكيميائية معروفة للعلماء باسم دورة الجليكوليسيس   Glycolysis وأيضاً من خلال استثمار مكون آخر وهو السترات في دورة تسمي بدورة حامض الستريك لأكسدة بعض المواد الآخري، وتتم شرارة بدء هذه التفاعلات من خلال مكون بروتيني مهم من مكونات الماء المنوي يعرف بإنزيم الداينين، كل هذه العمليات البيوكيميائية هي التي تهيئ الظروف والبيئة المناسبة والطاقة اللازمة لتدفق الحيوان المنوي وحركته.



ما من كل الماء المنوي يخلق الإنسان



أخرج الإمام مسلم في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما من كل الماء يكون الولد،إذا أراد الله خلق شيء لم يمنعه شيء ". وهذا في الحقيقة أمراً يعضد إعجاز الآيات القرآنية ويؤكد عليها. فالماء المنوي كما ذكرنا مكوناته متعددة وكل له وظيفة ومهمته المحددة وبدقة متناهية والحيوانات المنوية وهي التي تقوم بالتخصيب كميتها بالنسبة إلى المكوناتالأخرى بالماء المنوي لا تتعدي 5%، ليس ذلك فحسب بل أيضا يتم الانتخاب بين هذه الحيوانات المنوية وتفضيل بعضها على بعض ليصل منها في نهاية الرحلة واحد فقط هو الذي يقوم بعملية التخصيب.وأن في هذا الحديث النبوي الشريف لأعجاز عظيم، فمن كان يعلم بالتركيب الدقيق للماء المنوي في عصر النبوة؟، لا أحد!!!، إنما هو علم الله الكامل الذي أوحي به لرسوله الكريم حيث يقول الحق تبارك وتعالى ﴿وما ينطق عن الهوى* إن هو إلا وحي يوحىالنجم 3-4.  فلم يكن أحد يعلم أن جزأ يسيراً فقط من الماء المنوي هو الذي يخلق منه الولد ... ولم يكن أحد يتصور أن في القذفة الواحدة من المني ما بين مائتين إلى ثلاثمائة مليون حيوان منوي وأن حيواناً منوياً فقط هو الذي يقوم بتلقيح البويضة.



يتكون الحيوان المنوي في الخصيتين، ويخرج منهما عبر القناتين المنويتين، ويُصَب عليه الماء المنوي في الطريق من الحويصلتين المنويتينولكي يكون الحيوان المنوي قادراً على الإخصاب – بالإضافة لتوفر كل العوامل والظروف المحيطة السابق ذكرها - لابد أن يكون عدد الحيوانات المنوية كافياً لإغراق الرحم بحيث تزيد احتمالات التقاء الحيوانات المنوية المتحركة بالبويضة، آخذين في الاعتبار أن الحيوانات المنوية تضعف تدريجياً أثناء رحلة البحث عن البويضة، فلا يبقي من ملايين الحيوانات المنوية في النطفة الواحدة إلا حيوانات منوية معدودة قادرة على الإخصاب، مما يستوجب كثرة الحيوانات المنوية لتعويض الفاقد، وآخذين في الاعتبار صغر حجم البويضة المتناهي بالنسبة للرحم، مما يستوجب امتلاءه بالحيوانات المنوية لعلهم يلاقونها أينما كانت في الرحم الواسع. ومن المعلوم أن تركيز الحيوانات المنوية الأدنى اللازم لحدوث الإخصاب هو ۲۰مليون في الملليمتر المكعب.



ومن كان يعلم إن المواد الكيميائية الموجودة في الماء المنوي، إنما هي موجودة لتوفر للحيوان المنوي الطاقة اللازمة للحركة كالمواد السكرية (الجلوكوز والفركتوز) أو لتمكنه من اختراق جدار البويضة كالمواد البروتينية والإنزيمات الموجودة في حويصلة الاكروسوم. ومن كان يعلم بأن أعداد الحيوانات المنوية وكميتها أيضاُ مهمة لعملية التخصيب.



فيمكن للحيوانات المنوية البقاء حية داخل الرحم لعدة أيام في انتظار البويضة إذا كان الجماع قبل موعد التبويض، كما أن الطريق الطويل من موضع القذف إلي البويضة  يستهلك صحة الحيوانات المنوية بحيث تتمتع الأقلية منهم فقط بالحركة الكافية عند الوصول إلي البويضة. عند محاذاة الحيوانات المنوية للبويضة، يبدأ أقواهم وأقواهم فقط في محاولة إذابة جدارها باستخدام الإنزيمات الموجودة في الحويصلة أعلى رأس الحيوان المنوي (الحويصلة الأكروسوميه). وبمجرد أن يذوب الجدار، يخترق أقوي الحيوانات المنوية الجدار ليستقر داخل البويضة،  ثم تغلق البويضة جدارها بحيث يستحيل دخول حيوان منوي آخر، ويصدق هنا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم (ما من كل الماء يكون الولد).



المراجع



1-    القرآن الكريم



2-    صحيح البخاري



3-    مواقع عديدة على الشبكة الدولية (الانترنت)


Admin · شوهد 7 مرة · وضع تعليق

الصفحة السابقة  1, 2, 3, 4  الصفحة التالية